ـ [أبو محمد التونسي] ــــــــ [19 - May-2008, صباحًا 06:14] ـ
[بقلم: (د. أكرم حجازي) ]
بسم الله الرحمن الرحيم
د. أكرم حجازي / كاتب وأستاذ جامعي
ما من مراقب للساحة العراقية إلا وقع في حيرة إزاء ما يجري التخطيط له من اجتياح لمدينة الموصل شمالي العراق من قبل القوات الحكومية، ومنذ اللحظة الأولى لإعلان الحكومة عن عزمها"تطهير المدينة من الإرهابيين وإشاعة السلم فيها"وحتى عشية الإعلان عن بدء الحملة عليها إلا وكان الغموض والشبهات والارتباكات سيدة الموقف سواء من قبل المسؤولين الحكوميين أو من قبل الجماعات الجهادية ذاتها. لكن هل بدء الحملة على المدينة بدد الغموض؟ أو أزال الشبهات؟ بالتأكيد الإجابة بالنفي. لا شك إذن أن الأمر يتطلب تقديم أكثر من قراءة قد تصيب أو تخطئ إلى أن تتضح حقيقة الأوضاع.
يعلم المراقبون أن استهداف الموصل بدأ فعليا قبل معارك الجنوب العراقي خاصة في البصرة فيما بين القوات الحكومية وميليشيات مقتضى الصدر الشيعية التي وصفها المالكي بالقول:"إنهم مهربون وقتلة مجرمون وعصابات جريمة وأسوأ من القاعدة"، ثم توقفت المواجهات لتستأنف في بغداد عبر دعم جوي أمريكي أوقع المئات من القتلى والجرحى بين المدنيين صغارا وكبارا! لكن الحرب على التيار الصدري لم يشغل حكومة المالكي عن التهديد باجتياح الموصل عبر عقد الاجتماعات ودراسة الخيارات وإرسال القوات إلى تخوم المدينة والتصريح بين الفينة والأخرى عن تأجيل الحملة.
في الأثناء بدا أن صبر زعماء جبهة التوافق ينفذ كلما خرج أحد رموزها وهو يحرض على الإسراع في بدء الحملة بحجة تخليص أهل المدينة من الإرهاب وإشاعة السلم فيها وتصفية آخر معاقل القاعدة منها، وبدت تصريحاتهم أشد حماسا من تصريحات المالكي نفسها كما لو أن المعركة هي معركتهم الشخصية. ضابط عراقي سابق سُئل على إحدى الفضائيات عن أهداف الحملة؟ فكان"التقسيم"هو جوابه على ما يجري التخطيط له. ربما يكون هذا التصريح الأكثر موضوعية لاسيما وأن أكثر ما كان ملفتا للانتباه هو شبه الصمت الذي تحلى به الأكراد ذوي المصلحة الأولى في السيطرة على المدينة وفيلق بدر الذي يتزعمه عبد العزيز الحكيم رأس الحربة في العداء للسنة في العراق مع أن كلاهما من ضمن القوات المهاجمة.
وربما يكون هذا الضابط قد لاحظ أن الحكومة العراقية هي فعلا بصدد تنفيذ المشروع الأمريكي الإيراني عبر تفاهم محتمل بين الجانبين يقضي بالتهيئة لمشروع انتخابات الأقاليم القادم، مما يستدعي حسم المسائل في الجنوب ليكون تحت السيطرة الشيعية برعاية إيرانية على أن يكون الشمال تحت الهيمنة الكردية بعد إخضاع الموصل. ومثل هذا السيناريو عبّر عنه المالكي بطريقة أخرى حين ربط بين معركة الموصل وسيطرة الحكومة على بغداد والبصرة.
لكن تأجيل الحملة أو بطء سيرها لا شك أن له أسبابا وجيهة. فالموصل ذات الأربعة ملايين نسمة ليست الفلوجة ذات الربع مليون، فحين أدرك الأميركيون، في الفلوجة الأولى، أن تحقيق الانتصار على المدينة مهمة شبه مستحيلة بوجود مقاتلين"ذوي عزيمة"بين السكان غيروا استراتيجياتهم بتفريغها من سكانها وتدميرها عن بكرة أبيها فيما يعرف بحروب الإبادة التي يعجز فيها خصم متفوق على الانتصار على خصم ضعيف إلا بوسائل الإبادة الشاملة. لكن نموذج الفلوجة من المستحيل تطبيقه على مدينة الموصل التي فشلت فيها الصحوات أن تجد لها موطئ قدم رغم طول وعرض الطابور الخامس فيها، كما أن مدينة بهذه الكثافة السكانية الهائلة سيجعل من أية حرب فيها في غير صالح القوات المهاجمة التي ستضطر إلى خوض حرب عصابات في كافة أحياء المدينة وشوارعها وأزقتها مما يعني أن الانتصار ربما يكون متاحا لكن بتكلفة باهظة لا تقل عن تكلفة الفشل والهزيمة وإلا ما كان المالكي ليصرح بأن الحملة على الموصل هي مسألة حياة أو موت وما كان للأمريكيين أن يمتنعوا عن المشاركة في المعركة والاكتفاء بالدعم اللوجستي أو القتال عن بعد، بمعنى أن تقدم القوات الأمريكية الدعم السياسي والإعلامي فضلا عن التغطية الأمنية والجوية. فكيف السبيل للسيطرة على المدينة؟
(يُتْبَعُ)