ـ [ابن الشاطيء الحقيقي] ــــــــ [13 - May-2008, مساء 08:29] ـ
حسن بن فهد الهويمل
وحين استدار فلك النقد واستقر في رحاب المتلقي متمردًا على سلطتي الكاتب والنص، تداعت له سائر المعارف وتشعبت النظريات، وانبعثت المصطلحات من مراقدها، لتمكين المتلقي من استكمال عدته، وفرض سلطانه،
وما إن سُخِّرت له المناهج والآليات، حتى أصبح سيد المواقف كلِّها، يمتلك ناصية النص وكأنه المنتج له، والمعبر من خلاله، فلا معقب لأمره حين يريد تحميل النص ما يهواه و (نظرية التلقي) تحقيق لسلطان الذات المتلقية، فهي التي تفرض حقه المطلق في تقويل النص ما قال وما لم يقل.
وإذا كانت (نظرية المعرفة) سمة للعلماء والملل والنحل، قبل أن تكون آلية نقدٍ أدبي فإنها أتت المتلقي طائعة، لتكون بعض آلياته متحكمة في مصائر النص مغلقًا كان أو مفتوحًا أو جماليًا.
وإذ تكون للنص بيئة منتجة تتسعُ حتى تغطي الوهاد والنجاد والمعاني والمباني والمحسوس والمعنوي وسائر المكونات، وتضيقُ حتى تكمن في جوانح المنتج ومكتسباته الثقافية، وله ذات تجسِّدها اللغة ويكسوها الشكل ويَحُدُّها اللفظ والدلالة، فإن له متلقيًا يتفاعلُ معه ويفعِّله، فيمضي معه أو يمضي به، حتى لا تكون له علائق لا في المنتج ولا في النص، ولا في شيء آخر سوى المتلقي، الذي يمنحه الهوية والدلالة وكأنه وعاء فارغ.
وتجسيد سلطة القارئ استدعت قضايا كثيرة، وحفزت المنظرين إلى تحرير مشروعيتها، وحقها، في إعادة الإنتاج، والانعتاق من الاستهلاك والقبول المطلق والخنوع لإرادة المنتج.
ولأن محور الحديث عن سلطة المتلقي تدور حول:
-طريقة الاستقبال.
-مستويات التأويل.
والاستقبال والتأويل يستنبطان منهجًا وآلية. أما المنهج فقد تجلى في دراسة (بول ريكور) (صراع التأويلات دراسات هيرمينوطيقية) وأما الآلية فتتجلى في عدد من الدراسات عن (التفكيكية) بحيث يصعب حصرها واستقبال النص يختلف من عصر إلى عصر، وللتراث النقدي منهجه الاستقبالي كما يصوره د. محمد المبارك في كتابه (استقبال النص عند العرب) .
على أن حق القارئ لم يكن من عنديات النقد الأدبي، وإنما كان معروفًا ومتداولًا من قبل أن يكون الناقد شيئًا مذكورًا، والراصد لهذا الحق يقف على دراسات متعددة وشاملة ومعمقة، تناولت نظريات المعرفة عند المذاهب والملل والنحل، وعند الطوائف والأفراد، كما تناولت التأويل والاستقبال والتلقي من حيث هي نظريات غير منتمية، وإن كان ثمة استقلالية في التلقي وإغراق في التأويل، فإنه يتجلى بوضوح لدى (الصوفية) و (الشيعة) وإذا قُبل التأويل والتفكيك فإنَّه قبولٌ مشروط بألا يؤدي إلى تحريف الكلم عن مواضعه، وانتقال مركز الكون النقدي إلى المتلقي جعله يوغل في الانقطاع والعبث بالدلالة، والشعراء الأوائل يدركون هذا الحق، ولهذا نجد أن (أبا الطيب المتنبي) حين يُسْأل عن مشكل شعره، يحيل إلى (ابن جني) لعلمه أنه الأدرى بدخائله حتى لقد قال: (اذهبوا إلى هذا الشيخ الأعور فإنه أعلم مني بشعري، حتى أنه ليقوّلني ما لم أقل .. ومع براعة ابن جني فإن النقاد لم يركنوا إليه، ولم يوافقوه، يقول الدكتور(صفاء خلوصي) وهو أحد محققي (الفَسْر) : (ولقد صُنِّفت كتبٌ عديدةٌ في الرد على كتابه(الفَسْر ) ) وقد ذكر منها ثلاثة كتب من بينها كتاب (قَشْر الفَسْر) الذي حققه أستاذنا الدكتور (عبدالعزيز بن ناصر المانع) وطبعه (مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية) . وما نود الإشارة إليه أن حرية القارئ في توجيه الدلالة ليست مطلقة، وإن يَسَّرت له بعض المصطلحات ذلك كمصطلح (التفكيكية) و (النص المفتوح) و (التأويل) . ومجمل نظريات التلقي، وإغراءات بعض المنظرين أمثال (أمبرتو إيكو) في كتابه (الأثر المفتوح) و (رولاك بارت) الذي يسوِّي بين المبدع والمتلقي حتى ليقول ب (كتابةٍ قارئةٍ) و (قراءةٍ كاتبةٍ) ويربط قيمة النص بما يتيحه للمتلقي من كتابته للمرة الثانية، ولقد بلغ تمكين المتلقي من رقاب النصوص أن جُعلت القراءة عملية إسقاط، يقول (محمد عزام) : (يُدَمِّر الوجود المستقل للنص من أجل أن يبني على أشلائه ما يريد القارئُ بناءه من أفكار) ولست معه فيما ذهب إليه من أن هذا
(يُتْبَعُ)