فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ـ [ابو البراء الغزي] ــــــــ [15 - Feb-2010, مساء 05:55] ـ
الرُّقاة والمجرَّبات
د. عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف (*)
لَمَّا أعرض فئام من المسلمين عن سبيل سُنة سيد المرسلين - صلى الله عليه وسلم -، اعتراهم من الضلال والحيرة والشقاء بِقَدْر هذا الإعراض؛ فمستقلِ ومستكثِر؛ فالإعراض والنكوص عن سبيل المؤمنين، يلازمه الابتداع والانصياع لمكايد الشياطين ونزغاتهم. ولما حُجِب هؤلاء عن شمس الرسالة ونور النبوة، أعقب ذلك أمراضًا روحانية ووساوس شيطانية، وآفات نفسانية؛ فاستحكمت الأهواء والشبهات، وراجت الأوهام والخرافات؛ فأي الفريقين أحق بالأمن والإيمان: الأنبياء - عليهم السلام - وأتباعهم الذين يفتحون الأعين العمي، والآذان الصُّم، والقلوب الغُلف، أم شياطين الإنس والجن الذين يُفسدون السمع والبصر والعقل [1] ؟
وإزاء هذا الواقع المكتظ بالأمراض الروحانية، وصَرْع الجنِّ، وتسلُّط الشياطين، ورواج السحر، واستحواذ العين، ظهرت المدافعة لهذه الآفات، والمعالجة لتلك البليَّات؛ فبرز «الرُّقاة» يتطبَّبون ويعالجون هذه الأدواء، وسطَّر العلماء الكتب والفتاوى بشأن الرقية وأحكامها وأحوالها. كما تحدَّثوا عن آفات الرُّقاة، وسُبُل الخلاص منها، وكما قال عمر بن عبد العزيز - رحمه الله: «تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من فجور» [2] .
ومع رقَّة الإيمان، وضَعْف الديانة عند الكثير، وغلبة الجهل على طوائف من الرقاة، وما يكتنف النفوس من حبِّ المال والجاه، آلَ الأمر إلى الاشتباه بين الرقاة وبين الدجالين والمشعوذين، بل استحال بعض الرقاة سحرةً وشياطين. ولئن كان الشيطان قد زيَّن الشرك؛ فأظهره في قالب محبة الصالحين كما وقع لقوم نوح - عليه السلام - فإن الشيطان قد لبَّس على أقوام واستدرجهم إلى الشرك تحت ذرائع التطبب الفاسد والرُّقى المحظورة، كما حصل لأهل نجد قبل دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - وكما جاء مبيَّنًا في تاريخ نجد لابن بشر [3] .
والمقصود أن بعض رُقاة اليوم قد ارتكبوا مزالق ومآخذ، منها: الظاهر الجلي، ومنها: المشتبِه الخفي، ونورد في هذه السطور ملحظًا، هو محل اشتباه وإشكال، ألا وهو التعويل على المجرَّبات؛ فلقد أفرط الكثير من الرقاة في المجرَّبات، وفتحوا الباب على مصراعيه، فقيَّدوا ما أطلقه الشرع، وخصَّصوا ما كان عامًّا، وأطلقوا ما كان مقيَّدًا؛ فآيات قرآنية حددوها لعلاج الداء الفلاني، وآيات أخرى خصصوها لداء آخر ... وهكذا.
كما أثبتوا هيئات معيَّنة، وأعدادًا محدَّدة عند الاستشفاء بالقرآن، ودون دليل أو برهان على تلك الهيئات أو الأعداد، وقد يحتجُّون بما ورد عن بعض السلف ... مع أن ما ورد عن السلف لو صحَّ عنهم، فهو من موارد الاجتهاد والنزاع التي تُردُّ إلى نصوص الوحيين، وما أطلقه الشارع فلا يسوغ تقييده بلا دليل. يقول ابن تيمية: «شَرْع الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - للعمل بوصف العموم والإطلاق لا يقتضي أن يكون مشروعًا بوصف الخصوص والتقييد، مثال ذلك: أن الله شرع دعاءه وذِكْرَه شَرْعًا مطلقًا، فقال: {اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا} [الأحزاب: 14] ، وقال: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} [الأعراف: 55] ، ونحو ذلك من النصوص؛ فالاجتماع للدعاء والذكر في مكان معيَّن، أو زمان معيَّن، تقييد للذكر والدعاء، لا تدل عليه الدلالة العامة المطلقة بخصوصه وتُقْييده» [4] .
كما قرر الشاطبي هذا المعنى بقوله: «إذا ندب الشرع - مثلًا - إلى ذكر الله، فالتزم قوم الاجتماع عليه على لسان واحد وبصوت، أو في وقت معلوم مخصوص عن سائر الأوقات، لم يكن في نَدْب الشرع ما يدل على هذا التخصيص الملتزم، بل فيه ما يدل على خلافه؛ لأن التزام الأمور غير اللازمة شرعًا شأنها أن تُفْهم التشريع» [5] .
(يُتْبَعُ)