فهرس الكتاب

الصفحة 23469 من 28557

ـ [أبو عبادة] ــــــــ [07 - Mar-2010, صباحًا 01:30] ـ

لقي البيان المشكور الذي بينه العلامة البراك في موضوع الاختلاط معارضة صنفين من الناس: منهم من لا يوافق الشيخ في الأصل وهذا الصنف ينتظم كثيرًا ممن تأثروا بمذاهب الإرجاء و الرؤية المادية العصرية، ومنهم من يوافقه في الأصل لكن اعتراضه متوجه إلى أسلوب البيان وظروفه، فهو يرى أن الساحة مهيأة لتلقيه بطريقة خاطئة ليست مراد الشيخ قطعًا، وربما وجد بعض المخربين في هذا البيان بغيته للاستمرار في التكفير والتفجير!

لست معنيًا في هذه العجالة بالوقوف مع الصنف الأول، فخلافنا معهم حول بيان الشيخ خلاف فرعي، ناتج عن خلاف أصلي في فهم الدين، و مصادر التلقي والاستدلال.

في مقابل حجة الصنف الثاني من المعترضين: ينطلق الشيخ البراك من وجوب البيان على أهل العلم، وفضيلة الصدع بالحق، وضرورة حماية حمى الشرع.

ولنتأمل - في موازنة بين الحجتين - أيهما ألصق بالواقع معبرة عن حقيقته، واسمحوا لي أن أستجلب في هذا التأمل فتوى الشيخ اللحيدان في أصحاب القنوات الفضائية المفسدة، فمثالين خير من مثال، وكلا البيانين واجها نفس المعارضة:

الواقع الذي لا يسر: أن الناس في هذا العصر ونتيجة لضعفهم، قد طغت عليهم الرؤية المادية الغربية، وسوقت عليهم مبادئ الغرب الملحد من مركز القوة السياسية والإعلامية والاقتصادية والعسكرية، وكثف الهجوم على أخلاق المسلمين وقيمهم، حتى قاربوا الرؤية الغربية في كثير من رؤاهم، وصاروا يتلقون الرؤية الإسلامية إذا سمعوها من شيخ أو عالم صادق: باستهجان واستغراب، خذوا مثلًا على ذلك: قضية ترويج الفساد في الأرض، فلقد كان المسلمون ينظرون لهذا العمل نظرة قرآنية، لا تفرق بين شقي الفساد (المادي والمعنوي) ولا ينطلقون من رؤية مادية ترى أن هدم البنايات أفظع من هدم الديانات والأخلاق، حتى ظهرت المادية الغربية، التي لا تقنع بالدين معيارًا يعبر عن حقيقة الفساد، بل ترى أن حرب الدين، وتجاوز الأخلاق، إذا عاد بمنفعة مادية فليس بفسادٍ، وليس بمذموم!

وهكذا تاجروا بالإلحاد، وتاجروا بالمومسات، ثم جرى على منوالهم كثير من رجال الأعمال في بلاد المسلمين، فأقاموا الشركات والمؤسسات المتخصصة في ترويج ما يفسد الخلق ويخرم الدين، غير ملتفتين إلا إلى مكسب دنيوي، وتجارة شاطرة، تمامًا كالغربيين حذو القذة بالقذة!

وهكذا .. تسرب إلى قلوب الجماهير، تحت ضغط الواقع، أن من يخرم الدين ويحارب الأخلاق (وإن أبقوا على مسكة من تجريمه) يبقى في دائرة سائغة، لا تحتمل من يهدم بناية أو يشعل حريقًا!

إذًا كانت القيمة الإسلامية التي تصهر المفسد في بوتقة واحدة: أنه محارب، يجوز قتله اتقاء لفساده، وأن فساده على صعيد الدين والخلق قد يكون أقوى من فساده على صعيد المادة، كانت هذه القيمة غائبة عن نفوس كثيرين، في ظل واقع استمرأ المفسدين على الصعيد المعنوي، ومجتمع ٍ لا زال ينتج منهم بين الفينة والأخرى!

فهل يتردد - بعد ذلك - الشيخ صالح أن يتحدث (تفقهًا) مذكرًا الناس بخطورة الإفساد العقدي والأخلاقي، وأنه مع الإفساد المادي في حكم واحد: يجوز قتل رائده لمنع فساده؟!

إني لا أقرأ هذا التعبير (التذكير بجواز قتل المفسد) إلا في سياق المواكبة الرائعة للواقع، في مخاطبة جمهور طغت عليه المادة، فصار أحوج إلى تقبيح المنكر في وعيه بتذكيره بالجزاء المادي عليه، ذلك الجزاء الذي يظهر حقيقة الجريمة وموقعها.

ثم بيان الشيخ البراك: الذي ظهر في ظرف انتقالي، بين المفاهيم الشرعية في ضبط العلاقة بين الجنسين، وبين المفاهيم الغربية التي لا تحد العلاقة بينهما ولا تضبطها، فصرنا أمام قيمة شرعية مهددة بالتغييب، قد كثف الهجوم عليها، واستخدم في هذا الهجوم بعض من ينتسب للشريعة في ظاهره، ممن حاله أنه يغيب الشريعة عن قلوب الناس لمطمع دنيوي أو جهل!

وأقول مرة أخرى: كان خطاب البراك في درجة عالية من مواكبة الواقع، إذ يذكر بالقيمة الشرعية، عبر التحذير من القيمة الغربية التي يراد لها أن تحل في واقع الناس، وأن من يجيز الحرام معلوم التحريم في دين الإسلام أنه كافر!

لا كما يقول موظفوا تخريب القيم الشرعية: أنه مجتهد، كي يمرروا عملية نزع الإسلام وإحلال التغريب بجو من الراحة والهدوء.

ثم يذكر الشيخ الناس الذين غربلتهم المادة: بالجزاء المادي الذي ينفذ إلى وعيهم فيحركه، بأنّ معنى كفره أنه مرتد يستتاب قبل قتله.

ولا أدل على أثر هذا الخطاب الموفق: مما سمعناه وقرأناه من ترحيب به من قبل الناس الخائفين على دينهم وأخلاقهم، كما سمعنا حربه و استهجانه من قبل من غيبتهم المادة عن وعيهم الإسلامي.

نأتي الآن إلى مناقشة حجة المعترضين في ضوء الواقع المعاصر:

فإنهم يرون أن هذا الخطاب وسيلة لفهمه الفهم السيء من قبل بعض رواد التكفير والتفجير، فأول ما يرد على موقفهم ذلك: أنه لا حدّ لهذا الزعم، فمثله يورده المرجئة على أهل السنة، ومثله يورده المستشرقون على خطاب القرآن!

ثم إن الفهم السيء لا يواجه بالكتم، فالكتم لا يزيده إلا سوءًا، بل يواجه بالبيان الكامل، فكما نقول: المرتد يقتل، ومن يقول كذا فهو مرتد، فإننا نقول: المرتد يقتله الإمام، وليس الحل: أن نسكت عن الحق، ونحذف كلمة المرتد من قاموسنا، فإن المتطرف سيجدها في قاموس الإسلام العريض منذ 14 قرنًا!

إن من يفهم الخطاب فهمًا سيئًا لن يخلو منهم زمان، ولو خلا منهم لكان زمان النبي وأصحابه أولى زمان بخلوه منهم، ولم يخلو كما هو معلوم، ووجودهم لم ولن يكون مبررًا لكتم الشرع وبيان الحق.

فخطأهم يتحملونه، وسوء فهمهم إنما هو عليهم، لا علينا حتى نكتم الحق.

كما إنني أقرأ موقف هؤلاء الذين يرون الفهم السيء لفتوى التكفير مبررًا لكتمها رغم مصلحتها في حماية القيم الإسلامية: أنه في سياق تأثرهم بالنزعة المادية، التي ترجح الضرر المادي على الضرر المعنوي، وتجعل غياب قيمة إسلامية هينًا أمام غياب فرد مسلم!

بقلم: عبد الوهاب آل غظيف

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت