فهرس الكتاب

الصفحة 204 من 28557

ـ [فتى الأدغال] ــــــــ [08 - Jan-2007, مساء 01:45] ـ

أيًّا كانَ القولُ في صدّام حُسين، فإنَّ الطريقَ إلى العدالةِ المزعومةِ بإعدامهِ يجبُ أن يمرَّ بجماجمِ العديدِ من الحُكامِ والزعماءِ الذين مهّدوا له الطريقَ ليفعلَ ما فعلهُ، ثم تمالئوا جميعًا بالصمتِ المُطبقِ عن تلك الجرائمِ، ولمّا جاءت ساعةُ الصفرِ انقلبوا عليه جميعًا وأسلموهُ إلى حتفهِ.

إنَّ العدالةَ لا تتجزّأ، وما تمَّ فعلهُ بالرئيسِ العراقيِّ صدام حسين يكشفُ عن فظاعةِ وهولِ السياسةِ، التي تمَّ تجريدُها من جميعِ القيمِ النبيلةِ الراشدةِ، لتتحوّلَ إلى نفعيّةٍ ومصلحةٍ دونَ أخلاقٍ أو سماحةٍ، فمن كانوا بالأمس حلفاءَ الرجلِ، والذين بوأوهُ تلك المناصبَ العليا وغذّوهُ بالسلاحِ والعتادِ وصفّقوا لهُ مع كلِّ عمليّةٍ دمويّةٍ، هم من شنقوهُ اليومَ، وشربوا نخبَ الانتصارِ على جثّتهِ.

لو كانَ لصدام حسين يدٌ في رسمِ مستقبلهِ ومنتهى أجلهِ، فلن يبرعَ في حبكتها كما برعَ خصومهُ من الرافضةِ والصليبيينَ في ذلك، فقد صيّروهُ بطلًا مناضلًا شهيدًا، وباتتْ تلكَ الكلماتُ القذرةُ التي ثلطتها جموعُ الرافضةِ الحاضرةِ وقتَ إعدامهِ أروعَ من كلماتِ التأبينِ والرثاءِ، وهو ما كان يبحثُ عنهُ صدام منذ أن تمَّ أسرهُ، وأمّا جموعُ الناسِ في العالمِ الإسلاميِّ فقد صاروا رهينةً لتلكَ الكاريزما الآسرةِ لشخصِ صدّام، وذاك الثباتِ العجيبِ، فضلًا عن لحظاتِ السكينةِ المهيبةِ حين نطقَ بالشهادةِ قُبيلَ إعدامهِ.

ما يجري في العراقِ الآن أمرٌ يبعثُ على القلقِ الشديدِ، فأمريكا تقومُ بتقويةِ الشيعةِ، وينتشرُ في العراقِ التشيّعُ بنسختهِ الإيرانيّةِ الفارسيّةِ الشعوبيّةِ، وبوعْي وإطارٍ طائفيٍّ خالصٍ، وفي الوقتِ الذي تتبادلُ فيهِ أمريكا وإيرانُ التهمَ في العلنِ، يجري بينهم في الخفاء اتفاقٌ وثيقٌ، وسواءً كانَ ما فعلتهُ إيرانُ في موقفها من غزو العراقِ والتحالفِ مع أمريكا برغماتيّةً أو عمالةً، فإنّها قد كسبتْ جولةً مهمّةً في بسطِ يدِها على العراقِ، وهو ما حاربتْ لأجلهِ سنواتٍ عددًا.

واللافتُ في الأمرِ أنَّ تقومَ أمريكا بدورِ العمالةِ المزدوجةِ، فهي تُمكّنُ للرافضةِ، وتغضُّ الطرفَ عن جرائمهم البشعةِ، بل وتمكّنُ للميلشيات الدمويّةِ وتُطلقُ أيدهم ليعيثوا في الأرضِ فسادًا، وفي الوقتِ ذاتهِ توعزُ إلى حلفاءها في المنطقةِ بضرورةِ التبصيرِ لخطرِ الرافضةِ، واستنهاضِ الهممِ لمواجهةِ التحدّي الطائفي الجديدِ المتمثّلِ في نهوضِ الشيعةِ وانبعاثِهم من جديدٍ.

ومع هذا التشظّي العميقِ الذي تعيشهُ فرقُ الرافضةِ ومجموعاتُها في العراقِ، إلا أنَّ لديهم توحدًا عجيبًا في مناصرةِ القواتِ المحتلةِ، والوقوفِ في وجهِ أهلِ السنةِ والتعاونَ ضدّهم على كافةِ الأصعدةِ، فهناك أعضاءٌ من حزبِ الدعوةِ خالفوا إيرانَ في حربِهم على العراقِ، واختاروا سوريا كملجئ لهم، ثم في الاحتلال الأخير جاءوا في صفِّ المشروع الإيراني، كما أنَّ الخلافَ بين المرجعيّاتِ الفارسيّةِ والأخرى العربيّةِ ذابَ في المواجهةِ الطائفيّةِ ضدَّ أهلِ السنّةِ.

ولا عجبَ حينئذٍ من الأرقامِ المهولةِ للقتلى العراقيينَ في هذه السنةِ، فقد بلغَ عددهم 12 ألف قتيلٍ بحسبِ إحصائيةِ وزارةِ الداخليةِ العراقيّةِ، وغالبًا ما تتسمُ أرقامهم بعدمِ الدقّةِ، فالأرقامُ أكبرُ من ذلك، وغالبُ هؤلاء راحوا ضحيّةَ الصراعاتِ المذهبيّةِ والتصفيّةِ الطائفيّةِ، ومن المُثيرِ للدهشةِ أن نعلمَ أنَّ عددَ القتلى في فلسطينَ على يدِ قواتِ الاحتلالِ الصهيونيِّ هذا العام بلغَ 600 قتيلٍ فقط.

وهذا يقودُنا لفهمِ طبيعةِ الصراعِ الجديدِ، الذي يقومُ على أساسِ استنزافِ التياراتِ المختلفةِ في المنطقةِ، سنّةً وشيعةً، ليقومَ كلُّ تيارٍ منهم بخوضِ حربٍ بالوكالةِ عن الولاياتِ المتحدةِ الأمريكيّةِ، وتتفرّغَ هي لرعايةِ مصالحِها، وهو ما تفعلهُ إسرائيلُ الآنَ في الأراضي المحتلةِ عبرَ عملائها من أجهزةِ الأمنِ الفلسطينيِّ، بعدما حوّلتْ فوّهةَ البندقيّةِ الفلسطينيّةِ عن وجهِها إلى صدرِ أصحابِها، وأشعلتْ بينهم نارَ فتنةٍ تكادُ تطحنهم ولا تنطحنُ.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت