فهرس الكتاب

الصفحة 15446 من 28557

ـ [د/أحمد الصادق] ــــــــ [22 - Feb-2009, مساء 02:23] ـ

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم النبيين وعلى آله وأصحابه أجمعين .. أما بعد

فقد اشتهر إمام الحرمين بمذهبه في الضرورى، وذكر ابن تيمية وغيره أن الجوينى قال إن العلوم كلها ضرورية (1) وقبل الحديث عن مذهب إمام الحرمين في الضروريات ينبغى التنبيه على أن إمام الحرمين يستعمل عبارة (( ضرورى ) )أحيانا بالمعنى الاصطلاحى خاصة إذا قرنت بمقابلها الاصطلاحى وهو (( النظرى ) )وقد يستبدل هذا المعنى الاصطلاحى بغيره كلفظ (( المهجوم عليه ) )،وكثيرا ما يستعملها بالمعنى اللغوى الذى يعنى الإلجاء والإكراه ولا يقصد بها غيره كما في قوله: (( إن العلوم كلها ضرورية ) ).

وكان إمام الحرمين لا يضع حدا بين الضرورى والنظرى ويقول: (( ولا حاصل للفصل بين النظرى والضرورى ) ) (2) لأن ذلك يختلف عنده من شخص لآخر، ويرى أن العلوم كلها تدرك عن طريق واحد وهو: تسديد الفكر من ذى نحيزة صحيحة إلى جهة المعلوم مع زوال الموانع، ثم يترتب على ذلك حصول العلم بالضرورة سواء احتاج لمزيد من التأمل وإعمال الفكر أو لا، ويقول: (( النظر عندنا مباحثة في أنحاء الضروريات وأساليبها، ثم العلوم الحاصلة على أثرها كلها ضرورية .. وتلك الأنحاء يئول حاصل القول فيها إلى تقاسيم منضبطة بالنفي والإثبات منحصرة بينهما، يعرضها العاقل على الفكر العقلي ويحكم فيها بالنفي والإثبات، فإن كان ينقدح فيها نفى أو إثبات قطع به، وليس للدليل تحصيل إلا تجريد الفكر من ذي نحيزة صحيحة إلى جهة يتطرق إلى مثلها العقل، فإذا استد النظر وامتد إلى اليقين والدرك فهو الذي يسمى نظرا ودليلا ) ) (3)

ويرجع ذلك لاختلاف حدة القرائح أو لكون المعلوم نفسه يصعب إدراكه بطبيعته؛ فلا يقال إن هذا علم ضرورى وذاك نظرى يحتاج لنظر لأنها جميعا تحصل بنفس الطريقة ولها نفس الصفة بعد حصولها، وإنما يقع التفاوت بينها لعاملين:

أحدهما يرجع إلى ذات المعلوم.

والثانى يرجع إلى ذات المدرك وآلة إدراكه.

فهناك أولا التفاوت بين المعلومات؛ فبعضها أعسر في إدراكه من البعض، أو بعبارة إمام الحرمين (( بعضها مهجوم عليه والآخر غير مهجوم عليه ) )، ووضع لذلك عدة أمثلها أوضحها المثال الهندسى: ككون الخطوط المستقيمة الخارجة من مركز الدائرة إلى محيطها متساوية، إلى غير ذلك من الأمثلة التى تسمى المصادرات (( فإذا بنى المهندس على هذه المقدمات شكلا، وركب عليها دعاوي، وبرهنها بما يستند إلى تلك المقدمات فقد يحتاج في ترتيب الاستخراج إلى فكر طويل، وإذا أحاط بما يبغيه فعلمه به على حسب علمه بالمقدمات وكذلك القول في العدديات ) ) (4)

فالهندسة الإقليدية القديمة علم استنباطى مبنى على مصادرات أو مسلمات منها: أن القطع المستقيمة الخارجة من مركز الدائرة إلى محيطها متساوية، يمكن أن يبنى عليها قواعد أخرى تتفاوت في تعقيدها مثل: المثلث الذى قاعدته على محيط الدائرة ورأسه مركز الدائرة متساوى الساقين، والعمود الساقط من مركز الدائرة على أى وتر فيها ينصفه، والزاوية المحيطية تساوى نصف الزاوية المركزية المشتركة معها في القوس .. فهذه يمكن أن يدركها المرء بمزيد من التأمل يختلف كلما زاد تركيب القاعدة، و لا يقال إن بعضها نظرى والآخر ضرورى بل كلها تشترك في نفس النوع والخلاف بينها فقط في طول الفكر أو قصره، ولا يمكن أن يقال إن بعضها يدرك بإعمال النظر دون البعض الآخر بل إن بعضها يدرك بإعمال نظر أكثر من الآخر.

والثانى: التفاوت في حدة القرائح وكلالها:

ذلك أن المرء قد (( يفكر فيطيل فكره أو يقصره على التفاوت في احتداد القرائح وكلالها فيعلم من غير وسيلة ما يسمى دليلا ) ) (5)

وهنا يفرق إمام الحرمين بين أمرين:

الأول: ما تتفاوت القرائح بحيث يوصف أحدها بالحدة، ويوصف الآخر بالكلال، ويضاف إليه أيضا نشاط العقل وتبلده حيث إن بعض القرائح قد تتميز بالحدة ولكن تصاب بنوع من التبلد لعارض ما.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت