ـ [ابن الشاطيء الحقيقي] ــــــــ [22 - May-2010, مساء 12:39] ـ
قال ابن تيمية رحمه الله -في مجموع الفتاوى المجلد17 -
فالجواهر العقلية التي يثبتها هؤلاء الفلاسفة يعلم بصريح العقل ـبعد التصور التام ـ انتفاؤها في الخارج، وأما الملائكة الذين أخبر الله عنهم، فهذه لا يعرفها هؤلاء الفلاسفة أتباع أرسطو، ولا يذكرونها بنفي ولا إثبات، كما لا يعرفون النبوات، ولا يتكلمون عليها بنفي ولا إثبات، إنما تكلم في ذلك متأخروهم ـ كابن سينا وأمثاله ـ الذين أرادوا أن يجمعوا بين النبوات وبين الفلسفة؛ فلبسوا ودلسوا.
وكذلك [العلة الأولى] التي يثبتونها لهذا العالم إنما أثبتواعلة غائية يتحرك الفلك للتشبه بها، وتحريكها للفلك من جنس تحريك الإمام المقتدى به للمؤتم المقتدى، إذا كان يحب أن يتشبه بإمامه ويقتدى بإمامه، ولفظ [الإله] فيلغتهم يراد به المتبوع الإمام الذي يتشبه به، فالفلك عندهم يتحرك للتشبه بالإله؛ ولهذا جعلوا [الفلسفة العليا] و [الحكمة الأولى] إنما هي التشبه بالإله على قدر الطاقة، وكلام أرسطو في علم ما بعد الطبيعة في [مقالة اللام] التي هي منتهي فلسفته/ وفي غيرها كله يدور على هذا، وتارة يشبه تحريكه للفلك بتحريك المعشوق للعاشق، لكن التحريك هنا قد يكون لمحبة العاشق ذات المعشوق، أو لغرض يناله منه، وحركة الفلك عندهم ليست كذلك، بل يتحرك ليتشبه بالعلة الأولى، فهو يحبها، أي: يحب التشبه بها، لا يحب أن يعبدها، ولا يحب شيئًا يحصل منها، ويشبه ذلك أرسطو بحركة النواميس لأتباعها، أي: أتباع الناموس قائمون بما في الناموس، ويقتدون به، والناموس عندهم: هي السياسة الكلية للمدائن التي وضعها لهم ذوو الرأي والعقل، لمصلحة دنياهم؛ لئلا يتظالموا ولا تفسد دنياهم.
ومن عرف النبوات منهم يظن أن شرائع الأنبياء من جنس نواميسهم، وأن المقصود بها مصلحة الدنيا بوضع قانون عدلي؛ ولهذا أوجب ابن سينا وأمثاله النبوة، وجعلوا النبوة لابد منها لأجل وضع هذا الناموس، ولما كانت الحكمة العملية عندهم هي الخلقية، والمنزلية، والمدنية، جعلوا ما جاءت به الرسل من العبادات والشرائع والأحكام هي من جنس الحكمة الخلقية، والمنزلية، والمدنية فإن القوم لا يعرفون الله، بل هم أبعد عن معرفته من كفار اليهود والنصارى بكثير. وأرسطو المعلم الأول من أجهل االناس برب العالمين إلى الغاية، لكن لهم معرفة جيدة بالأمور الطبيعية، وهذا بحرعلمهم، وله تفرغوا، /وفيه ضيعوا زمانهم، وأما معرفة الله ـ تعالى ـ فحظهم منها مبخوس جدًا، وأما ملائكته وأنبياؤه وكتبه ورسله والمعاد، فلا يعرفون ذلك البتة، ولم يتكلموا فيه لا بنفي ولا إثبات، وإنما تكلم في ذلك متأخروهم الداخلون في الملل.
وأما قدماء اليونان، فكانوا مشركين من أعظم الناس شركًا وَسِحْرًا، يعبدون الكواكب والأصنام؛ ولهذا عظمت عناياتهم بعلم الهيئة والكواكب لأجلعبادتها، وكانوا يبنون لها الهياكل، وكان آخر ملوكهم بطليموس ـ صاحب [المجسطي] ـ ولما دخلت الروم في النصرانية، فجاء دين المسيح ـ صلوات الله عليه وسلامه ـ أبطلما كانوا عليه من الشرك.
ولهذا بَدَّل من بَدَّلَ دين المسيح، فوضع دينًا مركبًا من دين الموحدين ودين المشركين، فإن أولئك كانوا يعبدون الشمس والقمر والكواكب، ويصلون لها ويسجدون، فجاء قسطنطين ـ ملك النصارى ـ ومن اتبعه فابتدعوا الصلاة إلى المشرق، وجعلوا السجود إلى الشمس بدلًا عن السجود لها، وكان أولئك يعبدون الأصنام المجسدة التي لها ظل، فجاءت النصارى وصورت تماثيل القداديس في الكنائس، وجعلوا الصورالمرقومة في الحيطان والسقوف بدل الصور المجسدة القائمة بأنفسها التي لها ظل.
(يُتْبَعُ)