ـ [خالد عبد المعطى كروم] ــــــــ [08 - Mar-2009, مساء 02:12] ـ
عندما يبحث المرء عن أصول المسيحية لا بد له أن يبدأ أو ينتهي بدارسة عن بولس رائدها الأول، لأن بولس الذي لم يكن من الحواريين الاثنى عشر، ولم يكن من صحابة المسيح عليه السلام ولم يكن شاهدًا على أحداث بعثته، تمكن بمفرده من تأسيس المسيحية، وهو السبب الأول الذي من أجله يطلق على الديانة المسيحية اليوم اسم مسيحية بولس،نسبةً إلى مؤسسها الفعلي، برغم الانطباع السائد بين العامة أن المسيح عليه السلام هو المؤسس، ذلك أنهم احتفظوا بالمسيح رمزًا لعقيدة بولس، وقد يكون من المفيد التأمل فيما كانت ستكون عليه المسيحية اليوم لو لم تنفجر ظاهرة بولس على مسرح التاريخ بعد رفع المسيح.
التحول المفاجىء!!:
تجمع المراجع الموثوق بها على أن لبولس الطرطوسي دورًا خطيرًا في تحريف وتبديل المسيحية الأصلية ويدل على ذلك التحول المفاجىء والغريب من الاضطهاد الشديد للمسيحيين إلى كونه رسول من عند الله ومصدرًا للوحي والشرع!!
لقد كانت هذه حقيقة بالفعل، ولكنها حقيقة تدعو إلى العجب، فكيف بشخص شرير ومضطهد للأبرياء ينتقل إلى رسول وديع، ينزل عليه الوحي ويكلم الله؟! هكذا بدون أي مقدمات، وبدون دليل عقلي أو نقلي كنص في كتاب سماوي يدل أو يشير إليه أو يصفه، لأن رسائله شهادة منه لنفسه فهي غير مقبولة، وكذلك ما كتب بتأثير منه، كل ذلك لا يعتبر دليلًا نقليًا أو عقليًا على كونه رسولًا يوحى إليه أو كاتب وحي ملهم.
ولنفرض جدلًا أن بولس هذا كان كأي منحرف أو مشرك كافر، ثم هداه الله فآمن حتى مع تذكر سوابقه المشينة، فإن ذلك يعقل إذا كان دوره - فيما بعد - لا يعدو أن يكون مؤمنًا متبعًا أو مجتهدًا، أما أن ينتقل من عدو لدود وظالم، إلى رسول ملهم ومشرع ويكلم الله، فإن هذا ما يرفضه العقل السليم، والفطرة المتيقظة ...
ما قيل عن معجزات بولس وإرساليته في كتب العهد الجديد:
أولًا: لا بد لكون الكتاب سماويًا واجب التسليم أن يثبت أولًا بدليل تام أن هذا الكتاب كتب بواسطة نبيًا ما، ووصل بعد ذلك إلينا بالسند المتصل بلا تغيير ولا تبديل، والاستناد إلى شخص ذي إلهام بمجرد الظن والوهم لا يكفي في إثبات أنه من تصنيف ذلك الشخص، وكذلك مجرّد ادعاء فرقة أو فرق لا يكفي فيه، فمن كتب العهد الجديد سوى الكتب المعروفة الآن كتب جاوزت سبعين منسوبة إلى عيسى ومريم والحواريين وتابعيهم ولهم فيها الكثير من قصص المعجزات والآيات والمبهرة، والمسيحيون الآن يدّعون أن كلًا من هذه الكتب بما فيها من قصص المعجزات هي من الأكاذيب المصنوعة.
ثانيًا: لا يخفى على العقل والقانون الفطري أن كل دعوى يراد إقامة الحجة عليها لا بد من أن تكون غير ساقطة في نفسها ولا مقرونة بالموانع الشاهدة على سقوطها، وبولس المدعو رسولًا قد بنى إرساليته على أساس عقائد قد قضت الأدلة القيمة والحجج الثمينة برفضها، كعقيدة الصلب والفداء وكفارة الصليب، ودعواه في أعمال الرسل 9: 3 - 6 و كورنثوس الأولى 1: 17 بأن من أرسله هو المسيح، وهي دعوى مرفوضة لأن الله هو الذي يرسل الرسل ويوحي إليهم. ولذلك فإن فتنة (الدجال) وهي من أعظم الفتن لما اقترنت بدعواه خوارق العادات كان معها ما يدل على كذبه، كدعوى الإلهية، ومن انه سيموت، والله لا يراه أحد حتى يموت.
قال أبو الحسن الماوردي رحمه الله: تحت عنوان لا تقبل الخوارق ممن يكذب نفسه: فإن قيل: فقد جاء زرادشت وبولس بآيات مبهرة ولم تدل على صدقهما في دعوى النبوة. قيل: لأنهما قد أكذبا أنفسهما ما ادعياه في الله تعالى، مما يدل على جهلهما به، لأن بولس يقول إن عيسى إله. وزعم زرداشت أن الله تعالى كان وحده، ولا شيىء معه، فحين طالت وحدته فكر، فتولد من فكرته: أهرمن وهو إبليس، فلما مثل بين عينيه أراد قتله وامتنع عنه، فلما رأى امتناعه وادعه إلى مدته، وسالمه إلى غايته. ومن قال بهذا في الله تعالى ولم يعرفه، لم يجز أن يكون رسولًا له ..." [أعلام النبوة للماوردي - دار احياء العلوم] "
(يُتْبَعُ)