فهرس الكتاب

الصفحة 26635 من 28557

ـ [حسام الدين حامد] ــــــــ [25 - Aug-2010, صباحًا 12:30] ـ

قد ظهر في ساحة"الإنتاج الفكري"في الآونة الأخيرة، جماعةٌ أخذتهم نظرية التطور والهالة الدعائية حولها، فظنّوا أن النظرية صارت حقيقةً علميةً مبرهنة، وما ذاك إلا لبعدهم عن دائرة الجدل حول النظرية، فتسلطت عليهم النظرة الأحادية، حتى عميت عليهم الأنباء فجهلوا، ثم أرادوا إصلاحًا بعد أن أُتوا من قبل الجهل، فزعموا أن نظرية التطور"العلمية"لا تعارض الإسلام، ثم راموا سلفًا لهم فوجدوا نصوصًا لبعض المتقدمين، فأساءوا فهمها لعدم التصور الصحيح، وهكذا تحقق مرادهم من نفي التعارض، ثم وجدوا سلفًا في هذا النفي، وليس من غرضي هنا أن أبين وجه التعارض، فهذا سيأتي بتفصيلٍ في غير ذلك من المباحث بإذن الله تعالى، ولكن المقصود هنا أن نرى السلف المزعوم، وكيف يُفهم كلامهم على وجهه، ثم كيف خرج الجهل بمقصودهم إلى نقيضه، ليصير كلامهم من دعائم الإعجاز العلمي في"موافقة الإسلام لنظرية التطور"!!

وأبدأ بأقوى ما نقلوه دلالةً على مرادهم في نظرهم، وهو نقلٌ عن أبعد السلف المزعوم عن هدي الكتاب والسنة، وذلك ما ورد في"إخوان الصفا"من أن: (الكائنات التي دون فلك القمر وهي أربعة أجناس: المعادن والنبات والحيوان والإنسان، وذلك أن كلَّ جنسٍ منها تحته أنواعٌ كثيرة، فمنها ما هو في أدون المراتب، ومنها ما هي في أشرفها وأعلاها، ومنها ما هي بين الطرفين، فأدون أطراف المعادن مما يلي التراب الجص والزاج وأنواع الشبوب، والطرف الأشرف الياقوت والذهب الأحمر، والباقية بين هذين الطرفين من الشرف والدناءة كما بينا في رسالة المعادن، وهكذا أيضًا حكمُ النبات فإنها أنواعٌ كثيرةٌ متبائنةٌ متفاوتة، ولكنّ منها ما هي في أدون الرتبة مما يلي رتبة المعادن وهي خضراء الدمن، ومنها ما هي في أشرف الرتبة مما يلي رتبة الحيوان وهي شجرة النخل .... واعلم يا أخي أن أول مرتبة الحيوان متصلةٌ بآخر مرتبة النبات، وآخر مرتبة الحيوان متصلةٌ بأول مرتبة الإنسان، كما أن أول مرتبة النباتية متصلٌ بآخر مرتبة المعدنية، وأول مرتبة المعدنية متصلٌ بالتراب والماء كما بينا قبل ذلك، فأدون الحيوان وأنقصه هو الذي ليس له إلا حاسةٌ واحدةٌ فقط وهو الحلزون ... رتبة الحيوانية مما يلي رتبة الإنسانية لما كانت معدنًا للفضل، وينبوعًا للمناقب لم يستوعبها نوعٌ واحدٌ من الحيوان ولكن عدة أنواع، فمنها ما قارب رتبة الإنسانية بصورة جسده مثل القرد، ومنها ما قارب بالأخلاق النفسانية كالفرس في كثيرٍ من أخلاقه، ومنها كالطائر الإنساني أيضًا ومثل الفيل في ذكائه، وكالببغاء والهزار ونحوهما من الأطيار الكثيرة الأصوات والألحان والنغمات، ومنها النحل اللطيف الصنائع ... فهذه الحيوانات في آخر رتبة الحيوان، مما يلي رتبة الإنسان، لما يظهر فيها من الفضائل الإنسانية، وأما باقي أنواع الحيوانات فهي فيما بين هاتين المرتبتين) (1) .

وبمثل هذا النقل وأدنى منه في الوضوح، نُسب القول بنظرية التطور إلى القزويني والفارابي وابن مسكويه وغيرهم، رغم أنّ هذا النقل وأمثاله لا يمت إلى نظرية التطور بصلة، بل على العكس من ذلك، فإنّه يصب في صالح قضيةٍ حلّت نظرية التطور محلها، وهي قضية (السلسلة العظمى للكائنات) ، تلك القضية الفلسفية التي ينسب وضعها إلى أفلاطون، ومنه انتقلت إلى الفلسفة العربية والأوربية على السواء، وسأبين هذه القضية وما آلت إليه باختصار، ثم أعود إلى كلام"إخوان الصفا"لننظر إليه في ضوء ذلك!

قد نشأ مفهوم (السلسلة العظمى للكائنات) Great Chain of Beings في الفكر اليوناني من القدم، تتراص فيه الكائنات الصنف تلو الآخر، في القاع تقبع الجمادات، يليها النبات ثم الحيوان، ثم الإنسان ثم الملائكة ثم الرب، وهذا الترتيب لا يعني أن الكائنات يمكن أن تتحول من نوعٍ إلى الذي يليه، بل هو ترتيبٌ وصفيٌّ لحالةٍ ثابتةٍ تتدرج فيها الكائنات في الشرف من أدنى إلى فاضل، فالخالق خلق الكائنات جميعًا مرةً واحدة، ثم ينظر الفيلسوف ويرتب هذه الكائنات من حيث الفضل أو الحيوية، دون أن يعني ذلك أن الحيوان يتحول إلى إنسان، أو أن النبات يتحول إلى حيوان!

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت