ـ [مسلم طالب العفو] ــــــــ [26 - Apr-2010, صباحًا 08:05] ـ
كتبه/ الشيخ المهندس محمود عبد الحميد
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،
إن الأخوة منحة من الله -عز وجل- يعطيها الله للمخلصين من عباده والأصفياء والأتقياء من أوليائه وجنده وحزبه، قال -تعالى-: (هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ. وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (الأنفال: 63) ، وهي قوة إيمانية تورث شعورًا عميقًا بعاطفة صادقة ومحبة وود واحترام وثقة متبادلة مع كل من تربطنا بهم عقيدة التوحيد ومنهج الإسلام الخالد، يتبعها ويلزم منها تعاون وإيثار ورحمة وعفو وتسامح وتكافل وتآزر، وهي ملازمة للإيمان، قال الله -تعالى-: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) (الحجرات: 10) .
ولا يذوق حلاوة الإيمان إلا من أُشرب هذه الأخوة، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا الله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار) (رواه البخاري) .
وهم مع ما هم فيه من التواد والتراحم يدٌ على من سواهم، أشداء على الكفار، قال -تعالى-: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ) (الفتح: 29) ، فالأخوة في الله من أهم الأسباب التي تعمل على الصمود في وجه أعتى المحن التي تنزل بالمسلمين، كما أن الفهم المتبادل والكامل للأخوة في الله من أسباب تماسك صفوف المسلمين وقوتهم ومن أسباب شموخهم، والتمكين لهم.
فأي دولة لا يمكن أن تنهض إلا على أساس وحدة الأمة وتماسكها، ولا يمكن للوحدة أن تتم بغير التآخي والمحبة المتبادلة، فكل جماعة لا تآلف بينها ولا تآخ ٍ لا يمكن أن تتحد حول مبدأ ما، وما لم يكن الاتحاد حقيقة في الأمة والجماعة فلا يمكن أن تتآلف منها الدولة، فالحب بين المسلمين والحرص على روابط الأخوة المستمدة من الإيمان والعقيدة سر قوة الأمة، ومفتاح نجاحها ونصرها، قال -تعالى-: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ. وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالإيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الحشر: 8 - 9) .
فعُلِمَ أن من أبرز صفات المسلم الصادق حبه لإخوانه حبًا ساميًا مجردًا عن كل منفعة، بريئًا من أي غرض، نقيًا من كل شائبة، إنه الحب الأخوي الصادق الذي استمد صفاءه وشفافيته من مشكاة الوحي وهدي النبوة، فالرابطة التي تربط المسلم بأخيه مهما كانت جنسيته أو جنسه أو لونه أو لغته أو قوميته هي رابطة الإيمان بالله (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) .
وأخوة الإيمان أوثق روابط النفوس وأمتن عرى القلوب، وأسمى صلات العقول والأرواح، فلا عجب أن تثمر تلك الأخوة الفريدة نمطًا من الحب عجيبًا في سموه ونقائه وعمقه وديمومته يسميه الإسلام الحب في الله، ويجد المسلم الصادق فيه حلاوة الإيمان، فالحب في الله يجعل العبد في زمرة السبعة الذين يظلهم الله في ظله، ويشملهم برحمته وبره.
قال -صلى الله عليه وسلم-: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات حسن وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها، حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه) (متفق عليه) .
(يُتْبَعُ)