فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ـ [ابو البراء الغزي] ــــــــ [07 - Feb-2010, صباحًا 11:24] ـ
السبت 22 صفر 1431 الموافق 06 فبراير 2010
د. أحمد بن صالح الزهراني
لعل الدعوة إلى الوحدة وجمع الكلمة ونبذ الفرقة والاختلاف من أكثر الدعوات الرائجة هذه الأيّام، والناس فيها بين مُفْرِط ومُفَرِّط.
والحقيقة أنّ هذا التعبير الجميل تمّ توظيفه بسوء قصد غالبا لضرب أصل إسلامي كبير، ألا وهو أصل الولاء والبراء، والحب في الله والبغض في الله.
وقبل أن أدلف إلى المقصود أذكّر بقوله صلى الله عليه وسلّم:"أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله"، وقوله تعالى: {لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُون} [المجادلة:22] .
إنّ أصل الولاء والبراء مرتبط بالإيمان من أساسه وليس كماليا أو تزويقيا في شريعة الله ..
وقد رأينا في النصين السابقين ارتباطه بلفظ الإيمان، وكيف أنّ رابطة الإيمان لا يجوز أن يتقدم عليها أيّ رابط، وقدّم القرآن أقوى الروابط الإنسانية وهي روابط الأسرة .. ليكون تنبيها على ما دونها.
إذا كان كذلك فيأتي السؤال: مَن الذي يجب عليّ حبّه ومن الذي يجب عليّ بغضه؟
والجواب: أنّ على المؤمن محبة المؤمنين ومودّتهم محبة مطلقة، وبغض الكافرين والمنافقين بغضا مطلقًا.
وأمّا المخلّطون من المسلمين - أي من يظهر أنواعا من الفسوق - فإنّهم يُحَبُّون في الجملة ويوالون، ويبغضون بقدر ما أظهروا من معصية الله ورسوله.
أمّا بغض الكفار فلا أطيل فيه إذ لا يكاد يقول به من شمّ رائحة العلم والدين.
وأمّا ما يحتاج منّا إلى التنبيه فهو بغض المبتدعة والمنافقين ممن يظهر الإسلام، وبيان حقيقة الدعوة إلى توحيد الصف الإسلامي بكل"تشكلاته"كما يُقال.
فالمظهرون للإسلام منهم السلفيون ومنهم دون ذلك، ومنهم الصوفية بكل مراتبها، وفيهم التشيع بكل مراتبه، وفيهم أصحاب المذاهب الهدّامة كالليبرالية والعلمانية والحداثة والديمقراطية وغيرها من المذاهب الفكرية، وكل من هؤلاء يقول: {إنّما نحن مصلحون} و {إن أردنا إلا إحسانًا وتوفيقًا} .
والقائلون بالدعوة إلى الوحدة يختلفون في المظلة التي يوجبون التوحد تحتها، فبعضهم يرفع عقيرته بالوطنيّة، وبعضهم يرفع شعار العروبة والقومية وغير ذلك، وأكثرها تظليلا مظلة الإسلام الواسعة.
والحقيقة أنّها كلها دعوات جاهلية مثلها مثل الدعوة إلى القبلية والفخر بالأنساب والأحساب وهو أمر لا يجهل أحد محاربة الإسلام له، حتى الدعوة إلى الوحدة الإسلامية دون تقييدها بالكتاب والسنة، لأنّ الإسلام حين ذلك يُراد له أن يكون مجرد شعار للتوحد أو راية يُلتف حولها، لا يرادُ به الدين الصحيح الذي قال عنه الله: {إنّ الدين عند الله الإسلام} .
ومن تأمّل الخطاب القرآني الذي يستدل به أصحاب هذه الدعوات ممن ينتسب للإسلاميين - للأسف - يجد أنّ الخطاب القرآني لم يَدْعُ إلى وحدة الصف ونبذ التفرق هكذا بإطلاق، بل كل نصوص الكتاب والسنة التي تحث على وحدة الكلمة ونبذ الفرقة مقيدة بأنّ يكون هذا الاعتصام والالتفاف حول الدين الصحيح أي على التوحيد والدين والسنة التي كان عليها صلى الله عليه وسلّم وأصحابه الكرام.
قال تعالى: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ} [آل عمران:103] .
فالاعتصام هنا مقيد بحبل الله.
وقال: {وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِين} [الأنفال:46] .
وهذا الخطاب موجّه للجماعة المؤمنة: النّبيّ صلى الله عليه وسلّم وأصحابه.
(يُتْبَعُ)