فهرس الكتاب

الصفحة 22966 من 28557

ولهذا نرى أنّ المنهج النبوي ليس فيه إلاّ الدّعوة إلى التوحيد الخالص، والتوحيد الخالص هو الذي ينتج عنه الوحدة والاعتصام، وأهله هم الوحيدون المندوبون إلى الاعتصام ونبذ الفرقة، لأنّ أسباب الوحدة لديهم متوفرة، وكل خلاف ينشب بينهم مرده إلى التوحيد ومآله إلى زوال، فالاختلاف فيهم طارئ على الفروع ولا يؤثر على الأصل.

أمّا من خالف في أصل الدين - في التوحيد وفي الاتباع - فلا يمكن أن يحصل معه وحدة, أو يزول بينه وبين أهل السنة الاختلاف والتفرق، لأنّ الخلاف بدأ من الأصل والأساس.

ومهما تصنّع هؤلاء وأظهروا وحدة الصفّ فإنّه لا يعدو أن يكون نفاقًا ينافق بعضهم بعضًا.

وأمّةٌ تجتمع على غير كتاب الله وسنة رسول الله وتوحيدِ الله هي أمّة متفرقة في باطنها وحقيقتها، وهي جديرة بوصفه تعالى لأهل الكتاب: {تحسبهم جميعًا وقلوبهم شتّى} .

ولهذا فإنّ الخطاب القرآني إنّما خاطب بنصوص الوحدة ونبذ الفرقة الجماعة المؤمنة التي اجتمعت على التوحيد والاتّباع، وأمّا غيرهم ممن خالف في شيء من أصول التوحيد فإنّ الوحدة معه وإظهار الانسجام جهد في غير طائل.

كما أنّ أكبر استحقاقات هذه المطالب الوحدوية هي ترك شريعة الإنكار على المخالف وهذا والله لا يختلف عن ترك الدين برمته.

إذ معنى ذلك أن تفشوا البدع وترتفع معالم الشرك من جديد، وإلاّ فقل لي بالله: كيف تكون متوحدًا مع من تنكّر عليه دينَه وبِدْعَته وشِرْكَه! هذا لا يكون حتى يعود اللبن في الضرع لو كنا نفقه ما نقول.

قال الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في كتابه مختصر السيرة:"فلما أنذر صلى الله عليه وسلم الناس، استجاب له القليل، وأما الأكثر: فلم يتبعوا ولم ينكروا، حتى بادأهم بالتنفير عن دينهم وبيان نقائصه وعيب آلهتهم، فاشتدت عداوتهم له ولمن تبعه"، فتأمل متى عادوه ونافروه وعذبوا أتباعه؟

ولو قال قائل: لماذا لم يدع النّبيّ صلى الله عليه وسلّم إلى التوحيد دون أن يعيب دينهم وآلهتهم؟

لقلنا: هذا قول من لم يعرف دين الإسلام، فإن هذا لازمٌ لذاك لا تكون دعوةٌ للتوحيد إلاّ بعيب الشرك والتنفير عنه.

وكذلك في حالتنا، لا يمكن أن تقوم للإسلام والسنة قائمة دون عيب البدعة وأهلها وبيان باطلهم.

ومن كان يظن أنّ خطاب الوحي خطابٌ وحدوي هكذا بإطلاق فهو واهم، بل خطاب الوحي جاء أصله خطاب تفريق وتمييز، ولهذا سمّى الله تعالى كتابه فرقانًا، قال تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} [البقرة:185] ، وقال: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان:1] ، بل كل كتب الله كذلك، كما قال: {وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُون} [البقرة:53] .

وإنّما سمي فرقانا لأنّه يفرق بين الحق والباطل، ويفرق بين أهل الحق وأهل الباطل، ويميز الخبيث من الطيب، ولهذا سُمِّي يوم بدر فرقانًا، {إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ} [الأنفال:41] ، وبيّن تعالى أنّ من الحكم الربانية في غزوة أحد هو التمييز: {مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} [آل عمران:179] .

بل بيّن الله تعالى أنّ الافتراق والاختلاف ما وقع في أهل الكتاب إلاّ بعد أن جاءهم العلم، والبينة، والكتاب، كما قال تعالى: {وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلاّ من بعد ما جاءتهم البينة} ، فالعلم الصحيح والسنة وبيانها موجبة للافتراق بلا شك، فيتبع بعض الناس الحق، ويصر بعضهم على الباطل، ولهذا قال تعالى أنّ من إفرازات هذا الافتراق تميز أهل الحق، {وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ} [البقرة:213] .

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت