ـ [عبدالله الشهري] ــــــــ [14 - Jan-2008, صباحًا 02:08] ـ
... مقال، لينظر فيه، فلا يخلو من فائدة
كتبه/إبراهيم العسعس
(( التغيير / قال طالبُ العلم الشاب للعالم الشيخ: لا بدَّ من الجهاد لإقامة حكم الله سبحانه وتعالى في الأرض.
فأجابه الشيخ متسائلًا: وهل يجوز الجهادُ والإمام غير موجود؟
ردَّ الشاب: لا بدَّ من الجهاد لإقامة هذا الإمام ... وعاد يسرد الأسئلة التي ساقها من قبل، في حين تمسَّك الشيخُ بهذا الاعتراض ردًا على أيِّ دليل!
وعندها فقد الحوارُ قيمته، وأصبح يدور في حلقة مفرغة!
لستُ معنيًَّا-هنا- بترجيح أحد القولين على الآخر، إذ المقصود من هذا المدخل التنبيه على مشكلةٍ في"فقهنا السياسي"، وعرضها للمناقشة من زاويةٍ منهجيةٍ.
تتلخص المشكلة في الكيفية التي يجب أن نتعامل من خلالها مع ما نُقل إلينا من فتاوى السابقين في"الفقه السياسي". وهي فتاوى كانت تنطبق على واقعهم، وتنسجم معه، لأنَّها من إفراز ذلك الواقع. فهل من المقبول في زماننا استحضار هذه الفتاوى، وإسقاطها على واقعنا؟!
القضية المنهجية في هذه المسألة ـ وفي كل ما يتعلق بمنهج الاستدلال ـ تتمثل في أننا عند النوازل نستحضر الفتاوى، ولا نستحضر النصوص. إنَّ بيننا وبين النصوص ركامًا هائلًا من الفتاوى والأقوال يحول بيننا وبين التعامل المباشر معها.
ومن الضروري للخطاب الإسلاميِّ المعاصر أن يُفرِّق بين النَّص الثابت بدلالته المُطردة بلا تقييد بزمان أو مكان، وبين الفتوى التي فرضتها ظروف معينة.
ومن الضروري لهذا الخطاب أيضًا إدراك القرائن المحتفَّة بالنَّص معها وجودًا وعدمًا.
وعلى الخطاب الإسلامي - أخيرًا- أن يُدرك أنََّ مستجداتٍ (نوازل) كثيرة تفرض علينا التَّعامل معها، وإلحاقها في الدائرة المناسبة لها من مرادات الله سبحانه. وهذه قضيِّةٌ منهجيةٌ دقيقة لعلّي أعرضها للمناقشة في حلقةٍ قادمةٍ بإذن الله تعالى.
لقد أدرك العلماءُ المُحققون هذه القضية، فكانوا أبناء واقعهم وهم يُفتون ويُنظرون.
وأكتفي بذكر مثال واحد يُدلل على ما أقول:
من المعلوم أنَّ التصرفات العامة لا تنفذ من غير ولاية شرعية صحيحة، وهو حكم مستفاد من مُجمل النصوص، وعلى ذلك سار الناس ردحًا من الزمان. ثم إنَّه نشأت ظاهرة الولاة البغاة وعمَّت العالمَ الإسلامي، وأجروا تصرفاتهم على الناس! فما العمل حينئذ؟
قال العزُ بن عبد السلام رحمه الله:"وقد ينفذ التصرفُ العام من غير ولاية كما في تصرف الأئمة البغاة، فإنه ينفذ مع القطع بأنَّه لا ولاية لهم وإنَّما نفذت تصرفاتُهم وتوليتُهم لضرورة الرعايا، وأنَّه لا انفكاك للناس عنهم" (قواعد الأحكام في مصالح الأنام: 1 ـ 62) .
هذا مثالٌ على كيفية التعامل مع الواقع للضرورة المرتبطة بوضع استثنائي. والفتوى هنا لا تُغير الحكم الأصلي، وهو عدم شرعية ولاية البُغاة، ولكنَّها حلٌّ لوضع قائم، وانظر معي إلى فقه ودقة العز رحمه الله وهو يقول:"فإنه ينفذ مع القطع بأنَّه لا ولاية لهم".
ونعود إلى سياق حديثنا، لأعرض بعض الأمثلة المُستجدة المتعلقة بالفقه السياسي، وأكرر بأنَّ المقصود ليس تصويب رأي، أو ترجيح قول على قول:
1 ـ في الحوار الذي جرى بين الشيخ وبين الشاب، تظهر لنا الحاجة المُُلحة للبحث في النازلة الراهنة؛ فحكم الله سبحانه غير مطبق، والإمامُ لا وجود له، أولًا ... ثانيًا: المسلمون مطالَبون بالمنازعة لتطبيق حكم الله سبحانه وتعالى، وهذا يقتضي الجهادَ في كثير من الأحيان! فإذا جمعنا بين الأمرين تصبح صورةُ المسألة على النحو التالي: الإمام غير موجود، والجهاد واجب! فكيف يُنفذ الأمرُ عندئذ؟! وفقًا للشيخ لا يمكن! تذكرني هذه المشكلة بهذا الأسلوب من المعالجة بمشكلة الدجاجة والبيضة، أيهما أسبق؟!
(يُتْبَعُ)