فهرس الكتاب

الصفحة 25876 من 28557

شرح ممتع لمسألة معقدة: بقلم محمد السماك (من يعطل دور الإسلام في آسيا الوسطى؟)

ـ [ابن الشاطيء الحقيقي] ــــــــ [27 - Jun-2010, مساء 05:43] ـ

من يعطل دور الإسلام في آسيا الوسطى؟

عندما احتلت روسيا القيصرية آسيا الوسطى لم تكن شعوب المنطقة تعرف الحدود السياسية. ولم تكن تلك الشعوب في الأساس موزعة إلى دول كان يجمعها عاملان أساسيان، العامل الأول هو العامل الدينى، ذلك أن كل تلك الشعوب تؤمن بالإسلام وتتمسك بأهدابه. أما العامل الثانى فهو العامل البدوى، فقد كانت في معظمها شعوبا تعيش حياة بداوة بسيطة وتعتمد على الزراعة والرعى والصناعات الصغيرة.

وفى أواخر القرن التاسع عشر كرس الروس استعمارهم للمنطقة من خلال ترسيم حدود سياسية لها.

غير أن تلك الحدود بقيت وهمية وغير ثابتة، ذلك لأن مفهوم الحدود كان مخالفا لطبيعة الحياة المشتركة وبالتالى لم يكن محترما، وبالتالى لم يكن مقيدا لحركة تنقل الأشخاص وتبادل المنتوجات.

بعد الثورة الشيوعية في عام 1917، قررت روسيا السوفيتية تحويل المنطقة إلى دول، وتولى الجنرال جوزيف ستالين الإشراف بنفسه على عملية رسم حدود هذه «الدول الجديدة» من دون أى مراعاة للتنويع القبلى أو الإثنى، ولم يراعِ ستالين حتى المعالم الجغرافية من جبال وأودية وأنهار لرسم هذه الحدود، ويشهد على ذلك الواقع في وادى فرغانة الغنى بالمياه وبالأراضى الزراعية، فقد تقاسمته بقرار عشوائى من ستالين، ثلاث دول تمّ رسم حدود لها هى أوزبكستان وطاجكستان وقرغيزستان.

أعيد النظر في هذه الحدود مرات عديدة، خصوصا في عام 1936، وعندما انهارت الشيوعية وتفكك الاتحاد السوفييتى، استحدثت لأول مرة ربما في عام 1991 الإجراءات البوليسية التى تفرض على الحدود بين الدول .. وكان ذلك وحده كافيا لتفجير الخلافات بينها. ففى داخل دولة واحدة منها مثلا، قرغيزستان توجد سبعة جيوب كبيرة تابعة سياديا لدول أخرى، خمسة جيوب لأوزبكستان واثنتان لطاجكستان.

شكل هذا التداخل قنابل موقوتة على النحو الذى انفجر في جنوب قرغيزستان (مدينة أوش ومدينة جلال أباد) الذى يضمّ نحو المليون من الأوزبك من أصل عدد السكان الذى يبلغ خمسة ملايين ونصف المليون.

لم تقتصر نتائج الرسم العشوائى للحدود السياسية في العهد الستالينى على زرع القنابل الإثنية والقبلية، ولكنها أدّت أيضا إلى زرع قنابل حول الموارد الطبيعية، فالثروة المائية غزيرة جدا في المناطق الجبلية من طاجكستان وقرغيزستان، وفى الوقت الذى تتطلع فيه هاتان الدولتان إلى إقامة سلسلة من السدود على مجارى الأنهار لتوليد الطاقة الكهربائية، تعترض بشدة كل من أوزبكستان وكازاخستان الغنيتان بالنفط .. ولكن المعدمتان تقريبا من الموارد المائية .. فاعتمادهما يكاد يكون كليا على الأنهار التى تنبع من جارتيهما .. على نحو ما هو قائم حاليا أيضا بين تركيا من جهة، وكل من سوريا والعراق من جهة ثانية بالنسبة لنهرى دجلة والفرات.

يضاف إلى هذا الموروث الذى يحمل قوة تفجيرية خطيرة أمران لا يقلان خطورة أيضا، الأمر الأول هو أن التعدد القبلى والإثنى في قرغيزستان كالتعدد الدينى والمذهبى في لبنان، أملى نظاما سياسيا داخليا يقوم على الديمقراطية، أو على شىء منها.

وقد أدت الممارسة الديمقراطية المضطربة إلى انفجار حركتين تغييريتين حتى الآن أطاحتا برئيسين سابقين للدولة، الأول هو الرئيس عسكر أكاييف الذى كان مواليا لموسكو وحامل لواء ثقافتها، والذى يعمل الآن أستاذا لمادة الرياضيات في إحدى الكليات في موسكو، والثانى هو قرمان أكاييف الذى وصل إلى السلطة بدعم الولايات المتحدة مقابل التزامه بالمحافظة على مصالحها العسكرية في الدرجة الأولى وقد دعم الروس الحركة الأخيرة التى أطاحت به، وهو يقيم الآن لاجئا سياسيا في روسيا البيضاء.

وأدى التعدد ايضا إلى اعتلاء امرأة سدة الرئاسة الأولى هى السيدة روزا أونونيافا، وهى ظاهرة غير موجودة في أى دولة من دول آسيا الوسطى سوى في قرغيزستان.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت