ـ [شقائق النعمان] ــــــــ [02 - Sep-2007, مساء 11:36] ـ
لهفي على ابن الأكرمين:
قال الله تعالى:"وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَلَكِن ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ"
تذكرتُ ديوجين اليوناني و هو يمشي في رابعة النهار - حاملًا شعلة نار - يقول: (أفتش عن إنسان) !!
تذكرته و أنا أُحَدِّث صاحبي إذ أتاني على وعدٍ قد مضى بلقاءٍ قد حضر ..
أتاني ..
ألقى التحية، فرددتها ..
قال: أتذكر إذ حدثتني عن الإسقاط، و كيف يرى الكافر كل فعل و إن نبل - خبيثًا لخبث طبعه؟
قلت: نعم ..
ثم دفعني صمته إلى السؤال: هل عرض لك عذر لهم تريد إسقاطه، أم عرضت لك حجة لهم تريد إبطالها؟
لكنه سكت سكتة قال في مثلها الشيخ محمود شاكر رحمه الله: (سكتة ظننت معها أن أنفاسه قد أبت عليه أن يتنفس بها، لقد كان يجاهد نفسه، كان يأبى أن يتكلم، و كان الذي يجده من الضيق في صدره يأبى عليه إلا أن يتكلم كان راسخًا شامخًا وطيد الإيمان و لكني كنت أنفذ إليه أحيانا فأجد الزلزلة التي في قلبه قد جعلته يتزعزع و يتطامن و يضطرب بعضه في بعض اضطراب الموج في تياره) .
قلت محاولًا نزعه من خضم التفكير: ما الأمر أيها الحبيب؟
استعبر صاحبي، و تلألأت في عينيه دمعة يعدها الشعراء رقراقة و لكني كنت أراها سوداء، يعد مثلها العشاق شفافة و لكني في عين صاحبي رأيتها كئيبة حائرة، رأيتها قطرة حزن تلف جسدًا بأكمله في ثوب لا أدري أهو ثوب ألم أم ثوب راحة!!
فيا الله ما أشد أثرها قطرة!! و يا الله ما أشد بؤسه من جسد راحته في دمعة!!
همَّ بالكلام فانتبهتُ ..
قال: صرت مثلهم!!
صرت أنظر للأمور كما ينظرون ...
قلتُ: لكن
أكمل قائلًا: خالطتهم لأعرف كيف يفكرون فصرت بعقلهم أفكر، صرت أقرأ القرآن متشككًا بعد أن كنت أقرأه بتدبر، كنت أقرأ سيرة الحبيب عليه الصلاة و السلام مؤمنًا برسالته فصرت أرى أكبر ما أرى من سيرته بشريته!!
ألم أقل لك إني صرت مثلهم؟
قلتُ: اسمع
قال: قرأتُ لهم لأرد عليهم، كنت أعظّم الله في قلبي، فلما رأيت تطاولهم على ربي قفَّ شعري، فلما استمر التطاول هدأ أمري، و بعد حين ما عدت أرى في فعلهم ما كنت أراه من خطر!
ألم أقل لك صرت مثلهم؟
قال: قرأت عنهم فأردت عين اليقين فقرأت ما كتبوا، فكلما قرأت مقالًا تافهًا بحثت عن رد عليه و قد أجد، فإن لم أجد خزنته في قلبي حتى صار الدين عندي شبهات أنتظر الردود عليها!!
ألم أقل لك صرت مثلهم؟
قال: لقد أصبحت أنظر إلى الأمور بعين كعينهم ...
قلت مقاطعًا: و لكن قلبك ليس كقلوبهم ...
سكتَ سكتةَ من بغته شيء مُنتَظَر!!
حينها تذكرت ديوجين اليوناني و هو يفتش عن إنسان في زحام الظهيرة!! لا هو كشف عن مراده!! و لا هو أحسن البحث عنه!! لا هو دل الناس على مراده فأعانوه!! و لا هو أحسن البحث إذ استخدم شعلة نار باحثًا عن أخلاق إنسان!!
رأيت صاحبي خالط الكفرة مخالطة لا يعرف هو سببها، و لا يضبط السبب فيذكره، و لا أحسن الاستعداد للمخالطة، فصار شرًّا من ذلك اليوناني في هذه المسألة.
حينها تذكرت قول الشاعر و كأنه يخاطب صاحبي:
ومنتك نفسك ما لايكون ... وبعض المنى خلبٌ يكذب
آآآآه ..
لهفي على ابن الأكرمين!
لكن ..
لهفي عليك وما يرد تلهفي ... قصرت يداي وعز وجه المطلب
فعزمت أن أصدقه: اسمع يا صاحبي ..
اسمع فالأمر يستحق السمع، و اعلم أني لن أجاملك في كلمة الحق، أنت أخطأت يا أخي حين خالطتهم.
قال: عجبًا!! لو غيرك قالها!! أليس هذا من الانغلاق؟ أليست معرفتنا بالباطل تزيد معرفتنا بالحق؟
قلت: بل العجب منك إذ تشكو أثر الباطل عليك و لا تدري من أين أتاك الأثر!!
قال: حدِّثني بما أحطتَ به من الخبر ..
قلت: لو أنك عرفت الحق معرفة صحيحة لهان عليك أمر الباطل حتى ما يعلق بقلبك منه شيء .. أما تدري؟
قال: و ما أدري - كتب الله لك أجري؟!
(يُتْبَعُ)