فهرس الكتاب

الصفحة 3301 من 28557

قلت: أما تدري أن شبهات القوم قد ذُكِرَت منذ القدم، و أن من يرد نادرًا ما يأتي بمستجد، فترى في كتب الأوائل ما يجتره هؤلاء الأراذل، غير أنهم يرددون - خلف أسيادهم - الشبهات و يتعامون - كما أسيادهم - عن جوابها في كتب العلماء الأفاضل، فلو أنك قرأت ما بسط في الكتب لعلمت الحق مع رد الباطل، و لو استرشدت بمجالس أهل العلم لانجلى عنك الضباب العاطل، و لكنك تعجلت فذهبت تبحث عن الحق في ثنايا الباطل!! فعز المطلب و حُقَّ له أن يعز!! ثم انقلب الأمر عليك و لا غرو أن انقلب!!

قال: فهبني حصَّلت العلم، فهل هناك من ضرر في الذهاب إليهم لنصحهم؟!

قلت: إنك إن تذهب إليهم بلا علم، كنت كغريق يحاول إشعال عود ثقاب في قاع المحيط!! فلا العود سيشتعل! و لا هو إن اشتعل سينجيه من الغرق!

و إن حسن حالك و ذهبت إليهم على علم صرت كمن يشعل عود ثقاب في قاع المحيط لينير لأعدائه ليضربوه!! فلا العود سيشتعل!! و لا هو إن اشتعل يجلب له خيرًا!!

فما مثلك و مثلهم إلا كمثل أهل الكهف و قومهم حين قالوا - و قد رشدوا في قولهم:"إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا"

فدعهم و إلى الهدى ائتنا!

قال: فإن تركنا منتدياتهم و نواديهم فلم يأتوا إلينا، أنتركهم؟!!

قلت: ألم تقرأ ما قاله الله عز و جل لرسوله:"يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هِادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُواْ"!؟

قال: و لكن فيهم ذوي أدب! يبحثون عن حوار يقوم على العلم مع الأدب!!

قلت: هذا الحوار إن كان، فمهما يأتِ فيه من كلام فليس فيه كلام المنصف، و مهما يكن فيه من أدب فليس هو أدب الطبع بل أدب زائل قال فيه الأقدمون:

كلُّ امرئٍ راجعٌ يومًا لشيمته ... و إن تخلَّق أخلاقًا إلى حين

فما تلوَّنَ إلا لتنخدع بلونه، و يستدرجك لحواره و كلامه، فإن دخلت في الفخ، اجتمعوا عليك حتى تترك حوارهم من المَلَل، و من اليقين بعدم قدرتك على بيان الحق وسط كومة من البطالين، فإن تركتهم أطاروا الأخبار أنك قد هزمت و تراجعت منسحبًا!!

وما نصروه عن يد سلفت له ... وقد قتلوك يوم ذلك عن حقد

وإنه الغدر الصراح وخفة الـ ... حلوم وبعد الرأي عن سنن القصد

فيا لهفي عليك يا ابن الأكرمين!

قال: لكنهم ليسوا كلهم يتلونون للغرض!! بل فيهم كما قلتُ ذوو أدب!!

قلت: هبه حَسِنَ الأخلاق! أفليس من حُسن الخلق أن يأتي ليسأل المسلمين لا أن يسأل في أرض الكفار و يأتيه المسلمون ليجيبوه!!؟

و إن ترد أن تعجب فتعال أقص عليك نبأ عجبًا إن كنت تريد أن تسمع ..

رجل يبحث عن أخيه فقابله اثنان من الثقات، فقال أحدهما: إني رأيت أخاك مر من هنا، و قال الآخر: لم أره هنا، فأيهما يصدق إن كان كلاهما من الثقات؟

يصدق الذي رآه لأنه معه زيادة علم و هو صادق غير متهم بريبة.

قلت: فكيف لو أعطاه المُثْبِت على ذاك علامة، فلنقل أعطاه وصف هندامه؟

قال: فذاك أحق أن يصدق بلا ارتياب!

قلت: فالعجب من أحدهم يدعوك ليثبت لك عقيدته، و عقيدته كلها نفي لوجود الإله أو نفي للنبوات أو نفي للديانات أو نفي أو نفي …، ثم يدعوك للمناظرة هناك!!

و ما العجب؟!

العجب أننا نثبت وجود رب السماوات ثم النبوات و الديانات، نحن نثبت و هم ينفون، و لو كان المثبت و النافي من الثقات فالمثبت مقدم على النافي.

فكيف و نحن نثبت بالحجة و البيان!! و هم ينفون بالجهل و البهتان؟!!

فكيف بمن يقول: (لا نثبت و لا ننفي) كما يزعمون بأفواههم و أفعالهم تنفي؟!!

فكيف و هم ليسوا من العدول الثقات!!

و أغلبهم نقول فيهم صدقًا: وخير أخلاقك اللواتي ... تعاف أمثالها الكلاب؟!

قال: فكيف العمل مع من كان منهم صادقًا في طلب الحوار؟!

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت