فهرس الكتاب

الصفحة 25979 من 28557

فصل الدين عن الدولة: جريمة

ـ [أبوالطيب الروبي] ــــــــ [06 - Jul-2010, صباحًا 11:13] ـ

"العلمانية"،"فصلُ الدين عن الدولة"،"المجتمع المدني"،"المجتمع الليبرالي"، كلُّها مسمَّيات مختلفة لغايةٍ واحدة هي: عزل الدين عن مؤسَّسات المجتمع، فلا تخضَع هذه المؤسَّسات في تَنظِيماتها وقَوانِينها ومعاملاتها لهيمَنَة النُّصوص الدينيَّة، وكذلك عزل الدين عن واقِع الحياة اليوميَّة لأفراد المجتمع؛ بحيث لا تكون له هيمنةٌ على أنشطة الناس وتصرُّفاتهم وتعامُلاتهم، وبحيث يقتَصِر دورُ الدين على الجانب التعبُّدي المتعلِّق بأداء بعض الطُّقوس والعِبادات فحسب، لا أن يكون هو المرجِع في معرفة السائغ من غير السائغ من الأفكار والنظريَّات السياسيَّة أو الاجتماعيَّة أو النفسيَّة، أو أنواع الفنون وأنماط الإبداع ... إلخ.

هذه هي حقيقة الدعوة للمجتمع المدني كما بدَأَتْ في مهدها في الغرب، وهي الصورة التي لا يَرغَب كثيرٌ من العلمانيِّين والليبراليِّين في بلادنا العربيَّة والإسلاميَّة في إظهارها كاملةً للجَماهِير؛ لأنها لو ظهَرت بهذا الوضوح الذي هو تنحِيَة الدِّين وإجباره على تَقدِيم الاستقالة من حياة الناس، لعَلِم الجميع مناقَضتها للإسلام الذي جاء ليَقُول رأيَه في كلِّ صغيرةٍ وكبيرةٍ في حياة المجتمع أو الأفراد؛ قال - تعالى: ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ? [البقرة: 208] ، والسِّلم هنا هو الإسلام؛ أي: امتَثِلوا شعائرَ الإسلام، وتمسَّكوا بعُرَاه كلها، كما ذهَب إليه أهل التفسير.

لكن تلكم الدعوة إلى فَصْلِ الدين عن الدولة وعن حياة الناس يُقدِّمها أصحابها بها في هيئة مُتنكِّرة، عبارة عن مجرَّد تبنِّي وجهة نظَر في قَضايا جزئيَّة تَطرَح نفسَها على الساحة الفكريَّة؛ كقَضايا السُّفور والاختِلاط، أو الحسبة، أو الموقف من الأدب الإباحي أو الإلحادي، أو إمامة المرأة للصلاة أو توليتها القضاء ... إلخ.

كما أنَّ عددًا غيرَ قليلٍ من أصحاب هذه الدعوة لَيُعلِنون بين الفَيْنَة والأخرى تمسُّكهم بالإسلام، وأنهم إنَّما يُرِيدون نُصرَته بمواقفهم من تلكم القضايا محل النزاع!

وممَّا قد يَزِيد الأمر التباسًا أنَّ أصحاب الموقف الشرعي عندما يَدخُلون في نِقاشٍ حول تلكم القضايا الجزئيَّة مع أصحاب الاتِّجاه العلماني يُستَدرَجون إلى الكلام حولَ التفاصيل والجزئيَّات التي يَستَنِد إليها أولئك العلمانيُّون، وبيان مخالفتها للشرع، أو بيان وَهْيِ ما احتجُّوا به من أدلَّة شرعيَّة لتأييد موقفهم؛ فيظهر بادئ الرأي أنَّ المسألة خلافيَّة أو اجتهاديَّة محضة بين أبناء اتِّجاه واحد، مع أنَّ الحقيقة أنَّ مُراد العلمانيِّين والليبراليِّين بما أورَدوه من شُبَهٍ أو حُجَجٍ ليس عائِدًا إلى التماسِهم مُرادَ الشارع في تلك المسألة، وإنما ذلك مجرَّد تفنُّن في استِعمال الأسلحة للوُصول إلى الغايَة التي يُريدونها وهي"علمانيَّة المجتمع أو ليبراليَّته"، فليس الهدف هو تلك القضيَّةَ محل النِّزاع والنِّقاش بعينها، بل مُرادهم أكبر من ذلك بكثيرٍ، وهو: إقصاءُ الدين وكفُّ يده عن جميع القضايا والمشكلات التي تَعرِض للناس في حياتهم.

وإذا كان الأمرُ على النحو الذي تقدَّم، فالرأي أنَّ الدُّخول في مَعارِك جزئيَّة حول تلك القضايا المطروحة على الساحة الفكريَّة اليومَ هو من تضييع الوقت؛ ولذا فمن الواجب على الجميع أن يعودوا إلى الأصل والدافع وراء تبنِّي فريقٍ ما لِمَواقِفِه من تلك القضايا محل النزاع، لا أن يستَنفِذوا قُواهم وأعمارهم حول جزئيَّاتها.

لا بُدَّ أن نُحدِّد جميعًا (متدينين أو ليبراليين وعلمانيين) مَوقِفَنا من القضيَّة الكبرى وهي: مبدأ فصل الدين عن الدولة أو (المجتمع المدني) .

ما مَدَى شرعيَّة هذه الدعوة التي تَصدُر بين الحين والآخَر بيُسْرٍ وسهولة من بعض أبناء الاتِّجاه العلماني والليبرالي، وكأنها مذهبٌ فقهي مهجور ينبَغِي إحياؤه؟

هذه الكلمة التي يَكثُر ترديدُها على مسامع الناس - الذين يجهَلون حقيقتها - حتى أَلِفُوها فصارَتْ لا تَعنِي عندهم أكثر من التَّخفِيف على الناس من صرامة الأوامر الشرعيَّة!

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت