فهرس الكتاب

الصفحة 25980 من 28557

أقول: علينا أن ندعو أنفُسَنا وغيرَنا من أصحاب الاتِّجاه العلماني والليبرالي - لا سيَّما مَن يتمسَّك منهم بأداء الشعائر الإسلامية - إلى أن نُحَدِّد موقفنا من هذا الدين الذي نَدِين به وهو الإسلام، إذا كُنَّا نريد حَلاًّ حاسمًا لتلك القضايا التي تُستَنفَذ أعمارُنا في الانتِصار لها أو محاربتها.

هل نحن مُقِرُّون بوجود الله - تعالى - وأنَّه هو الخالق لهذا الكون، وأنَّ له كلَّ صفات الكمال والجلال؟

وهل محمد - صلَّى الله عليه وسلَّم - رسولٌ من عند هذا الخالق؟

وهل القرآن كلامه المُعجِز الذي أنزَلَه على نبيِّه؟

وهل شريعة الإسلام هي خاتمة الشرائع السماويَّة التي أُرِيدَ لها أن تُناسِبَ كُلَّ العصور والمجتمعات؛ لأنَّه لا رسالة أخرى بعدها؟

وهل نحن مَبعُوثون بعد الموت ومُحاسَبون على أعمالنا ومَجزيُّون على موقفنا من خِطاب الله من حيث امتِثالُ أَوامِره واجتِناب نَواهِيه، وبعد نشرنا وحسابنا فسيكون: إمَّا جنَّة لِمَن أطاع ذلكم الخالق ممتَثِلًا لأمره مجتَنِبًا لنهيه، وإمَّا نار لِمَن عَصاه طارِحًا أمرَه مواقعًا نهيه؟

أم أنَّنا نعتَقِد بأنَّه ليس هناك إله في نفس الأمر، بل وُجِد هذا الكونُ هكذا عبثًا أو صدفة، وهو يَسِير بلا غاية، ولسنا إذا متنَا بُعِثنا وحُوسِبنا، وليس ثَمَّ نار ولا جنَّة، وليس هناك رسل لا محمد ولا غيره، وليس القرآن كلام الله ولا هذه الشريعة سماوية خاتمة؟

وعلى جوابنا على هذه الأسئلة اليَسِيرة يتحدَّد موقفنا من الدولة المدنيَّة أو الدينيَّة، وأيتهما يَتحتَّم أن نختار.

فإن كان جوابُنا بأن ثَمَّ خالقًا عليمًا حكيمًا قادِرًا خلَق الخلق لعِبادته هو، وأعدَّ جنَّة لِمَن أطاعَه وأطاعَ رسوله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ونارًا لِمَن عَصاه وعصى رسولَه، وأنَّ هذا القرآن كلامه المُعجِز، وأنَّ محمدًا رسوله المبلِّغ عنه شرعَه، والذي تتحتَّم طاعَتُه في كلِّ ما أمَر به أو نهَى عنه، وتصديقه في كلِّ ما أخبر، فها هنا يتوجَّب علينا - والأمر كذلك - أن تَسِير حياتُنا كلُّها - صغيرها وكبيرها، عامُّها وخاصُّها، مدنيُّها وسياسيُّها، صِناعيُّها وبِدائيُّها، مؤسَّساتها وأفرادها - محكومةً بهذه الحقيقة التي نصدِّق بها ونعتَقِدها جزمًا، وساعَتَها لا يكون هناك مكانٌ للتفكير في المفاضلة أو للحِيرة في الاختِيار بين المصلحة الدنيويَّة والأخرويَّة إذا تعارضَتَا (كما في حالة الفوائد الربوية للبنوك، أو التأمين على الحياة مثلًا) ، فالدنيا - تبعًا لعقيدتنا - إنْ هي إلا جسر للآخرة، مرحلة انتقاليَّة فحسب، فكيف نَهدِم دار الإقامة الدائمة من أجل تعمير مسكن وقتي زائل؟!

ساعتَها هل يُمكِن لنا - في ظلِّ إيماننا الراسخ بالعقيدة السابقة - أن نتجادَل مثلًا في قضيَّة كشْف المرأة لأجزاءٍ من جسدها أمامَ الجماهير من أجل أن تُشبِع رغبتها في التعبير عن مَواهِبها وقدراتها في الفن أو الرياضة، وهل يجوز هذا أو لا؟!

ساعَتَها هل يُمكِن أن يَزعُم بعضُنا أنَّ تطبيق حكم الله - الحكيم الخبير العدل - في جَلْدِ شارب الخمر ورَجْمِ الزاني وقطْع السارق مُنافٍ للرحمة، أو غير مُناسِب للحياة المدنيَّة المُعاصِرة؟!

هل سيصعب علينا وقتَها أن نُضحِّي ببعض حريَّاتنا الشخصية - واقعيَّة كانت أو موهومة - في سبيل الانقِياد الكامل لذلكم الإله العظيم الذي خلَقَنا وأوجَدَنا من العدم، وعلَّمنا ما لم نكن نعلم، وأسبَغَ علينا نِعَمَه ظاهرةً وباطنةً، وطلَب مِنَّا امتِثالَ أوامره، وأخبَرَنا أنَّ في ذلك سعادتنا وراحتنا في الدنيا والآخِرة؟!

الوضع الثاني: ألاَّ نكون مؤمنين بوجود الله أو صدق رسوله أو وجود الجنَّة والنار، وعندئذٍ فرأيي: أنَّه متى ما كان الحال كذلك وجَب علينا ألاَّ ندعو إلى المجتمع المدني فقط، بل علينا أن نطرح الدين جملةً وتفصيلًا، شعائره قبل أحكامه، ونُباعِد بينَه وبين حياتنا تمامًا ونقطع كلَّ صلةٍ لنا به، فلنحرق هذه الملايين من الكتب الدينيَّة التي تتكدَّس بها مكتباتنا ونُرِيح أنفسنا من عَناء دراستها والنظر فيها، كما يتوجَّب علينا أيضًا أن نُرِيح الناس من سيل المحاضرات والدروس الدينيَّة التي تتكلَّم عن الموت وعالَم الآخِرة، وتنغِّص على الناس صَفْوَ عيشهم وتكدِّر أمزجتهم، وعلينا أيضًا أن نهدم كلَّ هذه المساجد التي

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت