فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ـ [ابن الزبير] ــــــــ [28 - Mar-2010, مساء 12:40] ـ
الأيزو وأخواتها
كتبه/ عبد المنعم الشحات
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فـ"الأيزو"تلك العلامة السحرية التي صارت من أهم ملامح عصر العولمة، والعولمة كما لا يَخفى هي الاسم الحركي للهيمنة الغربية بصفة عامة والأمريكية بصفة خاصة، ولكن تم تسميتها تضليلًا بالعولمة وكأن العالم كله قد جلس يضع أسس وضوابط ومعايير لكي تعمم على مستوى العالم؛ بينما هذه الأسس هي في حقيقة الأمر هي مبادئ الحضارة الغربية بحذافيرها، وبالكاد تحاول بعض الدول الأخرى من العالم الثالث لا سيما الإسلامية منها مناشدة العالم الأول مراعاة قدر من الخصوصية للشعوب الشرقية لا سيما فيما يتعلق بإباحية الجنسية وما شابهها من القاذورات الغربية.
وكان من الطبيعي أن يجعل الغرب في مشهد الصدارة الأمور التي حقق فيها هو تقدمًا حقيقيًا حتى يمرر معها الأمور التي يمثل منهجه فيها انتكاسة للفطرة الإنسانية جمعاء، ومن ثمَّ كانت قضايا التقنية والنظم الإدارية هي التي سيقت أولًا في طابور العولمة الطويل.
ولكن هل قدم الغرب خدماته المجانية في هذا الباب خدمة للإنسانية؟
إن الغرب لا يعرف العطاء المجاني قط، وحينما فكر في أن يعمم فكره الإداري حقق معه أعلى استفادة مادية ومعنوية، ويتجلى هذا في اختراع شهادة"الأيزو"وما شابهها.
إن الغرب لم يكتفِ في أن يُرغِّب الآخرين على مستوى الحكومات والشعوب في اتباع نظامه الإداري، بل نصب نفسه قاضيًا لإعطاء صك الجودة الإدارية.
وتأسست هيئات عنده تعطي هذه الشهادات أو الصكوك في جميع أنحاء العالم من أشهرها شهادة:"الأيزو"، ومن أراد أن يثبت أنه يمتلك نظامًا إداريًا جيدًا فما عليه إلا أن يدفع"المعلوم"لمستشاري"الأيزو"؛ لكي يعلموه نظامهم الإداري، ثم يدفع مرة ثانية لمفتشي الأيزو لكي يمنحوه الشهادة مع إعطائهم طبعًا حق التفتيش والتحقيق مع كل أفراد مؤسسته ابتداءً من المالك والمدير وانتهاءً بالغفير، وفي نهاية المطاف يُعطى الصك الموعود، ويتبادل التهاني مع محيطه التجاري أنه قد نال في النهاية شرف الانضمام إلى حاملي الأيزو.
وإذا نظرت إلى النظام الإداري للأيزو وجدت أنها تمثل قمة البيروقراطية والنمطية حيث يوضع قالب إداري واحد مترهل جدًا لا يناسب المؤسسات المتوسطة فضلًا عن الصغيرة، بل يمثل عبئًا ماديًا وإداريًا، ولكنها العولمة فمن أراد أن يلحق بها فليدفع الضريبة وليؤدي طقوس الولاء وإلا فليبق في نطاق المحلية أو بالبلدي يظل هكذا"بلدي"! هذا الوصف الذي استطاع الغرب وأذنابه أن يجعلوه مرادفًا للتخلف والرجعية.
ونتيجة لهذا الأمر لم يتجه إلى"الأيزو"إلا من كان في حاجة ماسة إليها، وكان قادرًا على دفع فاتورتها، أو كان حجمه الإداري في حاجة إلى هذا النظام بينما أحجم الباقون، ولكن سدنة الأيزو لم يستسلموا بسهولة، بل طوروا سلوك تعاملهم ومنحهم للشهادة وقاموا بانتحال أسلوب موظفي المحليات"المحلية"الذين يتفقون مع المخالفين على سيناريو المخالفات والاعتراضات، وكيف سوف يتم منح المخالف ما يريد مقابل"رشة هنا ورشة هنا"على حد تعبير وزير عولمي شهير ارتبط اسمه بكثير من الأزمات في الآونة الأخيرة.
ورغم حصول الموظف على"الرشة"إلا أنه يبدو ورقيًا في غاية التشدد، هذا ما آل إليه حال"الأيزو"الآن. ومع ذلك ما زال الجميع يسابق إلى نيلها ويفاخر بحصوله عليها!
ولم نجد ولو مؤسسة واحدة تجرؤ على القول بأنها تملك نظامًا إداريًا أفضل من الأيزو أو أن إنتاجها يغنيها عن طلب الأيزو أو ... أو ...
هذه هي قصة الأيزو أحد الأوجه المظلمة للعولمة، ولكنها في النهاية ليست ذات كبير خطر إلا إذا نظرتَ إليها كأحد مكونات هذه المنظومة الخطرة التي تمثل البديل العصري للاحتلال العسكري؛ بيد أن الأخطر من ذلك بكثير شهادات الأيزو الضمنية التي صار الإعلام الغربي يصدرها بشأن الأفراد المؤثرين في العالم الإسلامي، يستوي في ذلك أهل الجد وأهل الهزل، ويستوي في ذلك الساسة والمفكرين والعلماء، بل حتى الدعاة إلى الله!
(يُتْبَعُ)