فهرس الكتاب

الصفحة 22714 من 28557

ـ [أبوطلحة اللألماني] ــــــــ [19 - Jan-2010, مساء 04:12] ـ

بسم الله الرحمن الرحيم

يجتمع المخالفون لأهل التوحيد والجهاد اليوم - على اختلاف توجهاتهم ومذاهبهم - على أصل واحد، وهو رفض التحاكم والعمل بنصوص الكتاب والسنة، ثم يتفرقون في مسوغات هذا الرفض.

فمنهم من كان صريحًا - مع نفسه ومع غيره -؛ فأعلن رفضه لتلك النصوص وعدم تصديقه - أساسًا - بكونها إلهية المصدر، واجبة الاتباع.

وكان منهم طوائف أخرى - وهي المعنية بهذا المقال -؛ أدعت إيمانها بتلك النصوص، وأقرت بكونها واجبة الاتباع، إلا انها عند الانتقال من مرحلة التنظير إلى مرحلة التطبيق؛ تلتقي بالفريق الأول في تعطليها وترك العمل بها.

وحجة هؤلاء؛ ان الشريعة الإسلامية"جاءت؛ بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها"، ومن ثم فإذا ما تعارض قول الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم، مع"المصلحة"، أو كان العمل بهما؛ مؤديًا إلى"مفسدة"، فالواجب تعطيلهما والعمل بما تمليه عليهم"المصلحة".

وهذه - كما أخبرنا القرآن الكريم - صفة من صفات المنافقين، قال سبحانه: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا * فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا} [النساء: 62 - 63] .

يقول الأستاذ الشهيد سيد قطب رحمه الله معلقًا على حجتهم هذه: ( ... هي دائمًا دعوى كل من يحيدون عن الاحتكام إلى منهج الله وشريعته؛ أنهم يريدون اتقاء الإشكالات والمتاعب والمصاعب التي تنشأ من الاحتكام إلى شريعة الله! ويريدون التوفيق بين العناصر المختلفة والاتجاهات المختلفة والعقائد المختلفة! إنها حجة الذين يزعمون الإيمان - وهم غير مؤمنين - وحجة المنافقين الملتوين، هي؛ هي، دائمًا وفي كل حين) .

والأمثلة من واقع تلك الطوائف كثيرة، بل يمكن القول؛ أنها تتعامل مع جميع النصوص الشرعية بهذه الصورة، إلا ما تعلق من تلك النصوص بـ"فقه العبادات"، على تفاوت بين تلك الطوائف، وقد نالت النصوص المتعلقة بتوحيد الإلوهية - بمعناه الشامل المتضمن لتوحيد الحاكمية ومقتضياته من الولاء والبراء وغير ذلك - والمتعلقة بالجهاد والسياسة الشرعية؛ القسط الأوفر من هذا التعطيل والنبذ ... بل والاعتداء على العاملين بها.

وفي مجال استدلالهم على جواز تقديم"المصلحة"على النص الشرعي؛ يحتجون بأقوال لبعض أهل العلم في هذا الباب، من أشهرهم؛ شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

ويمكن إجمال ما يستدل به أولئك في كلمة واحدة جامعة عنه، يقول فيها: ( ... القاعدة العامة؛ فيما إذا تعارضت المصالح والمفاسد والحسنات والسيئات أو تزاحمت، فإنه يجب ترجيح الراجح منها، فيما إذا ازدحمت المصالح والمفاسد، وتعارضت المصالح والمفاسد، فإن الأمر والنهي - وإن كان متضمنا لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة - فينظر في المعارض له، فإن كان الذي يفوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر؛ لم يكن مأمورا به، بل يكون محرما إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته) [المجموع: ج28/ص129] .

إن القارئ لهذا"القاعدة"يجد أنها تؤصل للطريقة التي تتعامل بها تلك الطوائف مع النصوص الشرعية، بل لو قارناها مع كلام منظري الفريق الأول - اللا ديني - لوجدناها تحمل ذات النفس.

فأي فرق بينها وبين قول"فيلسوف التشريع العلماني"- جون جيرمي بونتام - مثلًا: (يجب أن يكون سير الديانة؛ موافقا لمقتضى المنفعة) [1] ؟!

أو بينها وبين ما يُعرف في دين النصارى بـ"حق التّحلة"، الذي"يُبيح للكنيسة أن تخرج عن تعاليم الدين، وتتخلى عن الالتزام بها، متى اقتضت المصلحة ذلك" [2] .

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت