فهرس الكتاب

الصفحة 22715 من 28557

إذ أن ملخص ما يستدلون به من كلام ابن تيمية رحمه الله يقول؛"ان للناس عمل ما يرونه أصلح لدنياهم وان خالفت أعمالهم نصوص الشرع"! وحينها فما فائدة الوحي الذي نؤمن - نحن المسلمون - أن جبريل عليه السلام نزل به على النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذا كان الصواب تقديم"المصلحة"عليه؟! وما قيمة تعاليم الأنبياء التي بلغوها عن الله عز وجل إلى الجنس البشري؛ إذا كانت نجاة وفلاح الإنسان في اتباع مصالحه التي يستطيع معرفتها بعقله المجرد؟!

ولمَ أمرنا الله عز وجل باتباع النصوص الشرعية، كما في قوله: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ} [الأعراف: 3] ، وحذر المعرضين عن اتباع نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63] ، إذا كان الصواب هو العمل بما تمليه"المصلحة"لا النص إذا ما تعارضا؟!

ولم أخبرنا الله عز وجل أن المتبع لأوامره لا بد وأن يُبتلى ويتضرر في دنياه، كما في قوله: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ} [البقرة: 155] ، وقال عن التاركين للعمل بما أمر الله خوفًا من هذا الضرر والابتلاء: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ} ، إذا كان الصواب ترك العمل بالنص الشرعي عندما يكون العمل به سببًا في ضرر دنيوي؟!

يقول الشوكاني رحمه الله في تفسير هذه الآية: ( {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ} ؛ أي في شأن الله ولأجله، كما يفعله أهل الكفر مع أهل الإيمان، وكما يفعله أهل المعاصي مع أهل الطاعات، من إيقاع الأذى عليهم لأجل الإيمان بالله والعمل بما أمر به، {جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ} ؛ التي هي ما يوقعونه عليه من الأذى {كَعَذَابِ اللَّهِ} ؛ أي جزع من أذاهم فلم يصبر عليه، وجعله في الشدة والعظم كعذاب الله، فأطاع الناس كما يطيع الله) [فتح القدير: ج5/ص430] .

ألا يرى العاملون بمذهب تقديم المصلحة على النص؛ أنهم يسيرون في طريق طائفة"اللا دينيين"حذو القذة بالقذة - فالخلاف بين الطائفتين هو في"تبرير"تعطيل النصوص، لا في"هل يُعمل بها أو لا يُعمل"، إذ الفريقان متفقان على أصل واحد، وهو ترك العمل بما يتعارض مع مصالحهم من تلك النصوص! وان كانوا يختلفون في تحديد تلك المصالح - وأن مذهبهم هذا يؤدي إلى إبطال الأمر والنهي ونبذ الشرع - الذي يزعمون الإيمان به - تمامًا؟!

ففتح مثل هذا الباب؛ يعني إلغاء دين الإسلام ... وقبل ذلك هو؛ إلغاء لوجودهم - هم - وإلغاء لمسمياتهم ومناصبهم ومراكزهم التي يمارسون من خلالها"الأستاذية"على بقية المسلمين! فلماذا يحق لهم - هم، وهم وحدهم! - تقدير المصالح التي يدفعون بها في نحر النصوص الشرعية، فيعطلون منها ما شاءوا؟! ولا يحق لغيرهم - كائنًا من كان - أن يقدر من المصالح ما يعطل به من النصوص الشرعية التي يلزمه العمل بها؟! ... أليس الجميع قد حباهم الله بـ"عقول"تستطيع معرفة الصواب من الخطأ والمصلحة من المفسدة؟! أم انهم قد خُلقوا بأدمغة تختلف عن أدمغة غيرهم من بني الإنسان؟! وحبوا بإلهام وتأييد إلهي لم ينل غيرهم حظًا منه؟!

لمَ يحق لهم؛ تعطيل الأمر بجهاد المرتدين [3] - مثلًا - تحت دعوى"درء المفسدة" [4] ، ولا يحق للتاجر؛ أن يمنع الزكاة، تحت ذات الذريعة - أي درء مفسدة نقصان ماله -؟! ولماذا يحق لهم؛ الدخول في موالاة الكفار والمرتدين تحت دعوى"ترجيح المصلحة"، ولا يحق للفقير التعامل بالربا؛ بحجة ترجيح مصلحة الغنى على مفسدة الفقر؟! أو لا يحق للمرأة الاختلاط بالرجال وهي متبرجة في مجال عملها؛ لمصلحة"زيادة الإنتاج"؟! وقل مثل ذلك في كل ما نهى الشرع عنه وكان لبعض الناس في فعله مصلحة دنيوية، أو أمر به وكان لبعضهم في فعله ضرر دنيوي ... أليس كل تلك الأوامر والنواهي؛ الآمر بها والناهي عنها واحد؟!

حاشا شيخ الإسلام ابن تيمية أن يُظن به الموافقة على هذا العبث ... فضلًا عن تأييده والتأصيل له!

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت