ـ [أبو عبد الله عادل السلفي] ــــــــ [18 - Dec-2009, صباحًا 01:54] ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
الاحتجاج بحديث الدجال وفوائد المناظرة و أساليب الدعوة
الشيخ أبو هارون المختار الأخضر الطيباوي الجزائري.
الحمد لله وحده و الصلاة و السلام على من لا نبيّ بعده.
أما بعد
من الأدلة التي يذكرها بعض الفضلاء في ترك مخاطبة المبتدعة ومجالستهم ـ مع ما بيّناه من ضوابط في هذه المسألة ـ احتجاجهم بحديث الدجال:"من سمع به فلينأ عنه، فو الله إنّ الرجل ليأتيه وهو يحسب أنّه مؤمن فيتبعه مما يبعث به من الشبهات"، و إن كان هذا الحديث قد استدلّ به من هو خير منا علما وعملا، إلاّ أنّه لا محل له في النزاع، وهو قياس بعيد ضعيف، وفي كلام السلف المتواتر ما يغني عن هذا الاستدلال، فالدّجال كما يعلمه أهل السنة المثبتين للأحاديث الواردة فيه مسلّط على الناس بالفتنة، لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بمناظرته ومخاطبته، بل أمر بالهروب منه في رؤوس الجبال ومكة والمدينة، وأنّه يشطر الرجل شطرين ثم يأمره فيقوم مستويا، ويأمر السماء فتمطر، ويظهر للنّاس جنّة و نّارا وغير ذلك، ومن أوتي مثل هذه الأشياء وجعله الله فتنة للناس في آخر الزمان لا يقاس به المبتدع!.
وقد علمنا أنه أوتي خوارق من جنس الآيات، وهذه الخوارق لا تقابل إلاّ بما هو من جنسها، ولذلك يقتله عيسى عليه السلام.
أمّا المبتدع فما يشبه على الناس يمكن معارضته بما معنا من العلم والحق، وعليه كان هذا القياس ضعيفا جدا، من باب التضخيم.
وقد بيّن المحتج بمثل هذا الكلام أنّه إذا كان الغرض من النظر في كتبهم معرفة بدعتهم للردّ عليها فلا بأس بذلك، لمن كان عنده من العقيدة الصحيحة ما يتحصّن به، وكان قادرا للردّ عليهم، فهذا تقييد لهذا الدليل، مع العلم أنّ الدّجال لا يجوز قربه بحال، ولو لمن كان عنده اعتقاد صحيح وقدرة على الردّ على المبتدعة فلا وجه للقياس.
وإذا نقلنا قول كبار الأئمة بجواز مناظرة المبتدعة في بعض الحالات، وأنّها قد تكون واجبة، وقد تكون جائزة مستحبة، وقد تكون محرمة إذا كان المناظر لا يقوى عليهم، كما نقل عدة أفاضل عن ابن عثيمين وغيره، قال شيخ الإسلام في"الدرء" {357/ 1} :"فكل من لم يناظر أهل الإلحاد والبدع مناظرة تقطع دابرهم لم يكن أعطى الإسلام حقّه ولا وفى بموجب العلم والإيمان ولا حصل بكلامه شفاء الصدور و طمأنينة النفوس و ا أفاد كلامه العلم و اليقين"1، وهو الحق، ثم نقلنا قول أمثال ابن بطة:"فما جنى على المسلمين جناية أعظم من مناظرة المبتدعة، ولم يكن لهم قهر ولا ذل أعظم مما تركهم السلف على تلك الجملة يموتون من الغيظ كمدا و دردا ولا يجدون إلى إظهار بدعتهم سبيلا"
فهذا تناقض بيّن إذا لم نوجّه النقول ونصرف كلا منها إلى منزلته وضوابطه، فإذا أخذنا قول ابن بطة على عمومه دون توجيه، فنقول: مَنْ مِنَ السّلف ناظر المبتدعة ولم يقمعهم ويقطعهم، وفتح لهم باب الانتشار، أحمد أم الشافعي أم الدارمي أم البربهاري وغيرهم؟، فلعلّ ابن بطة يقصد بعض أئمة الحديث المائلين إلى مذاهب المتكلمين، وهؤلاء ليسوا بحجة، لأنهم هم أنفسهم يحملون بعض عقائد المتكلمين، وهؤلاء من الأشاعرة الذين ناظروا المعتزلة والفلاسفة بحجج ضعيفة لم تكسرهم فزادوا الطين بلّة، قال شيخ الإسلام في"الصفدية" {268/ 2} :"وبسبب مناظرة هؤلاء للمتفلسفة حصل شرّ كثير في الإسلام، فإنّهم يناظرون بجهل كثير بالعقليات والسمعيات."
وإلاّ فإنّ السلف لم يكونوا كلهم مناظرين للمبتدعة، ولا كلّهم تكلّم في الاعتقاد كما نقلنا عن شيخ الإسلام، بل منهم من كان دوره حفظ السنّة وتدوينها وغير ذلك، ومنهم من كان دوره ردّ البدعة و قهرها.
حكم المناظرة و الجدال:
قال ابن القيم في"الصواعق المرسلة" {1274/ 4} :"و أمّا السلف فلم يكن ذمّهم للكلام لمجرد ذلك، ولا لمجرد اشتماله على ألفاظ اصطلاحية إذا كانت معانيها صحيحة ولا حرموا معرفة الدليل على الخالق وصفاته وأفعاله، بل كانوا أعلم الناس بذلك، ولا حرموا نظرا صحيحا في دليل صحيح يفضي إلى علم نافع، ولا مناظرة في ذلك، إما لهدي مسترشد، وإمّا لقطع مبطل بل هم أكمل الناس نظرا واستدلالا واعتبارا وهم نظروا في أصح الأدلة وأقومها."
(يُتْبَعُ)