ـ [السمرقندي] ــــــــ [19 - Nov-2008, مساء 01:27] ـ
لشيخ الإسلام: محمد بن عبد الوهاب (رحمه الله)
بسم الله الرحمن الر حيم
إلى الإخوان ...
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد ...
ما ذكرتم من قول الشيخ: (كل من جحد كذا وكذا، وقامت عليه الحجة) ، وأنكم شاكون في هؤلاء الطواغيت وأتباعهم، هل قامت عليهم الحجة؟
فهذا من العجب! كيف تشكون في هذا وقد أوضحته لكم مرارا؟!
فإن الذي لم تقم عليه الحجة؛
هو الذي حديث عهد بالإسلام، والذي نشأ ببادية بعيدة.
أو يكون ذلك في مسألة خفية، مثل الصرف والعطف.
فلا يكفر حتى يعرف.
وأما أصول الدين، التي أوضحها الله وأحكمها في كتابه؛ فإن حجة الله هو القرآن، فمن بلغه القرآن فقد بلغته الحجة.
ولكن أصل الإشكال؛ أنكم لم تفرقوا بين قيام الحجة، وبين فهم الحجة.
فإن أكثر الكفار والمنافقين من المسلمين؛ لم يفهموا حجة الله مع قيامها عليهم، كما قال تعالى: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} .
وقيام الحجة نوع، وبلوغها نوع، وقد قامت عليهم، وفهمهم إياها نوع آخر; وكفرهم ببلوغها إياهم، وإن لم يفهموها.
إن أشكل عليكم ذلك؛ فانظروا قوله صلى الله عليه وسلم في الخوارج: (أينما لقيتموهم فاقتلوهم) ، وقوله: (شر قتلى تحت أديم السماء) ، مع كونهم في عصر الصحابة، ويحقر الإنسان عمل الصحابة معهم، ومع إجماع الناس؛ أن الذي أخرجهم من الدين هو التشدد والغلو والاجتهاد؛ وهم يظنون أنهم يطيعون الله، وقد بلغتهم الحجة، ولكن لم يفهموها.
وكذلك قتل علي رضي الله عنه الذين اعتقدوا فيه، وتحريقهم بالنار، مع كونهم تلاميذ الصحابة، ومع عبادتهم وصلاتهم وصيامهم، وهم يظنون أنهم على حق.
وكذلك إجماع السلف؛ على تكفير غلاة القدرية وغيرهم، مع علمهم وشدة عبادتهم، وكونهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، ولم يتوقف أحد من السلف في تكفيرهم لأجل كونهم لم يفهموا.
فإن هؤلاء كلهم لم يفهموا.
إذا علمتم ذلك؛ فإن هذا الذي أنتم فيه كفر، الناس يعبدون الطواغيت، ويعادون دين الإسلام، فيزعمون أنه ليس ردة، لعلهم ما فهموا الحجة، كل هذا بين.
وأظهر مما تقدم؛ الذين حرقهم علي، فإنه يشابه هذا.
وأما إرسال كلام الشافعية وغيرهم؛ فلا يتصور يأتيكم أكثر مما أتاكم، فإن كان معكم بعض الإشكال، فارغبوا إلى الله تعالى أن يزيله عنكم.
والسلام.
[الدرر السنية 10/ 94 - 95]
ـ [السمرقندي] ــــــــ [19 - Nov-2008, مساء 01:39] ـ
س1/ يقول: ما الفرق بين قيام الحجة و بين فهم الحجة؟ وهل من لم يفهم الحجة يُعاقب على ما لم يفهمه؟ أفدني.
ج/ ذكرنا الفرق بين قيام الحجة وفهم الحجة في أجوبة أسئلة وكذلك فصّلناه في كشف الشبهات، فأنا أريد الأخ السائل أنه يرجع إلى شرح كشف الشبهات ليستفيد أولًا ثمّ ينظر إلى هذا الموضوع.
وخلاصة الكلام أن فهم الحجة ليس بشرط، وأما قيام الحجة فهو شرط في التكفير ووقوع العذاب.
و فهم الحجة يُراد منها -يعني الذي ليس بشرط-، يراد منه أن يفهم أنّ هذه الحجة أرجح مما عنده من الحجج، المهم أن يفهم الحجة ودِلالة الحجة من كلام الله جلّ وعلا وكلام رسوله (وأن تُزال أو يُبيَّن له بطلان الشبهة تلك التي عنده.
وليس من شرط قيام الحجة أن يفهم الحجة كفهم أبي بكر وعمر والصحابة الذين نوّر الله قلوبهم، ولا من نوّر الله قلبه ممن تبعهم بإحسان؛ لأنه لو قيل بفهم الحجة هنا، صار لا يكفر إلا من عاند، يعلم أن هذه الحجة وعليه يفهم الحجة ويفهم أنها صحيحة ويفهم أنها راجحة ومع ذلك لا يستجيب فهذا يعني أنه معاند، والله جلّ وعلا بيّن في القرآن أن منهم من لم يفقه أصلا قوله كقوله جلّ وعلا ?وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ? (190) ، يعني أن يفهموه فهم الحجة كما فهمها من أراد الله جلّ وعلا هدايته.
وهناك قسم آخر من فهم الحجة، الذي هو فهم اللسان، فهم اللسان هذا لا بد منه ?وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ? [إبراهيم:4] ، فلا بدّ أن يفهم وجه الحجة باللّسان الذي يتكلم به، لكن يفهم أن حجته هذه أرجح من الحجة التي عنده، أو أنها أقوى من الشبهة التي عنده ونحو ذلك فهذا ليس بلازم، المهم أن توضح بشروطها الكاملة.
وهذه يقوم بها العلماء فتختلف مسألة قيام الحجة وفهم الحجة بحسب نوع الشبهة التي تَعرِض، فمثلا الإستغاثة بالله جلّ وعلا ليست في قيام الحجة كالإستغاثة بالله جلّ وعلا وحده وأن الإستغاثة بغيره شرك أكبر ليست في قيام الحجة وفي مسألة فهمها مثل مسألة طلب الشفاعة من النبي عليه الصلاة والسلام، فهذه مسألة ربما حصل فيها نوع اشتباه عند من لم يعلم، وتلك واضحة بيّنة.
فإذن مسألة قيام الحجة تختلف بإختلاف نوع قيام الحجة وكيف تقام الحجة وبما تقام وتختلف بما يُبيّن المسألة إلى آخره.
الشيخ صالح آل الشيخ - شرح الطحاوية-.
(يُتْبَعُ)