ـ [زين العابدين الأثري] ــــــــ [15 - Jun-2010, صباحًا 10:36] ـ
الجري وراء الآخرين الاحد 06
د. أحمد بن صالح الزهراني
بنهاية المرحلة المكية بدأت مرحلة جديدة ذات طابع استعدادي؛ فالمعروف أنّ النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- كان ممنوعًا من القتال حتّى على سبيل الدفاع عن أصحابه، وإنّما أُمر بالصّبر، واستمرّ على ذلك طيلة فترة بقائه في مكة.
وبعد الهجرة نزل الإذن للأمّة بالقتال والدفاع عن أنفسهم، واستمر ذلك برهة من الزمن حتّى قويت شوكة المسلمين فنزل الأمر بقتال المشركين.
ومن ضمن الوقائع المشهورة في عهد النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- غزوة الأحزاب، التي التأم فيها شمل أخلاط شتّى من أعداء النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- ممّن كانت لهم مصلحة مشتركة في قتله والقضاء على أعظم عمل إصلاحي عرفه التاريخ في مهده، لكن الله تعالى قيّض للثلّة الصابرة جند الأرض والسّماء حتّى انجلت تلك الحادثة مسجّلة انتصارًا نوعيًا للدّعوة يبرز في عنصرين:
الأوّل: الكشف عن صدق من كان مع النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- من المهاجرين والأنصار، وأنّهم مستعدون للقتال بين يديه حتّى لا ينبض منهم عرق نابض، فلم يكن بين النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- وبينهم عقد دنيوي يتأثر بالضغط العسكري أو النفسي أو الإعلامي، بل كان عقدًا علويًا لا يعرف أثره إلاّ من جرّب اللقاء معهم في ميادين القتال، ورأى بأمّ عينيه حرصهم على الموت كحرص الآخرين على الحياة.
والعنصر الآخر - وهو الذي يعنيني هنا - هو انتقال زمام المبادرة إلى يد النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- وأصحابه، وقد أعلن النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- ذلك بعد الغزوة مباشرة حين قال:"الآن نغزوهم ولا يغزونا .. نحن نسير إليهم"..
وحقق النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- هذا في الواقع، فكانت السرايا تخرج من المدينة لبسط الأمن وتحقيق العدالة الإسلامية في ربوع الأرض، ولمّا سمع النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- أنّ الروم يجمعون لغزو المدينة لم يجلس النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- في المدينة ينتظر قدومهم بل سار إليهم فيما سُمّي بـ"جيش العسرة"في غزوة تبوك المشهورة ..
العبرة:
كان هذا في الجانب العسكري، وهو جانب مهم وضخم في السيرة النبوية ولكنه لم يكن الوحيد، ولهذا فإنّ هذه المقولة منه -صلّى الله عليه وسلّم- تأسيس عميق في جانب تنموي مهم أصّله النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- ويجب أن يفيد منه المسلمون في كلّ المساحات الممكنة والمباحة ..
ونعني بذلك ألاّ يبقى المسلمون حبيسي الخوف على قيمهم وتراثهم؛ لأنّ الخوف يعني أنّ الأمّة - بما فيها من المبدعين والقادرين على المنافسة - تظل تتلقّى الضربات تلو الضربات، وتعاني من النّهسات من مختلف جهاتها، فمهما كانت قوّتها فلا بدّ أنّ يأتي يوم يصيبها الكلل والملل والضعف ..
وهو ما نعانيه الآن بسبب انتهاج سياسات شرعية لم تراعِ أو ربّما غاب عنها - لأسباب ليس هذا مكان بيانها- حقيقة المتغيرات من حولنا، وهي متغيرات متسارعة متلاحقة مختلفة الدوافع والمقاصد والغايات كذلك، تحتاج إلى قدر كبير من المرونة في الحيّز المتاح، كما تحتاج إلى عنصر المبادرة ..
أمثلة من الواقع:
لقد ظللنا منذ سنوات بعيدة قبل أن تنشأ القنوات الفضائية نحذر من البث المباشر، وما سيحمله إلى بيوتنا من أفكار ومفاهيم تضرب في عمق العقيدة، وتمارس الهدم من الأساس ..
سنوات مديدة لم نفعل سوى التحذير والخوف والتربص والتهديد والوعيد ومحاولة المنع بالقوة والتجريم .. لكن أحدًا منا لم يفكر بطريقة أخرى .. أو ربّما فكّر وأحجم خوفًا من الاتهام ..
لماذا ننتظر حتى يأتينا الطوفان؟
لِمَ لَمْ نبادر باستنهاض الهمم والقدرات المالية والفنية والإعلامية التي يزخر بها عالمنا العربي والإسلامي لاستباق هذا المدّ الإعلامي الهائل بتأسيس صناعة إعلامية قوية تمتص الضربة، وتقلل من أثرها أو على الأقل تجرّها إلى المحاكاة، فإنّ العادة جرت أنّ التالي يحاكي من سبقه ولا يبتعد عنه كثيرًا ..
(يُتْبَعُ)