ـ [عيووووون] ــــــــ [13 - Dec-2007, مساء 08:30] ـ
وهتفوا جميعا: لبيك .. لبيك
الأستاذ: أبو الحسن الندوي
الإسلام دين توحيد خالص، دين لا يؤمن بالوساطة بين العبد وربه، ولا بمشهود محسوس يركز عليه الإنسان تفكيره ويصرف إليه همته ليتخيل به الإله الذي لا تدركه الأبصار، ويرتبط به في خياله، ويتمسك بأذياله، فلا وسائط ولا مظاهر، ولا صور ولا أصناف ولا هياكل، ولا طبقة كهان ولا سدنة:
**وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون، **إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصًا له الدين * ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى.
إذا فالإسلام دين يطلب تجردًا في الخيال، وسموًا في الفكر، ونقاء في الإرادة والنية، وإخلاصًا في العمل والتطبيق، وانقطاعًا عن الغير لا يتصور فوقه وأكثر منه، ومستوى في الفكر والعقيدة لم تبلغ الإنسانية ولا الأديان والفلسفات والنظم الدينية أو العقلية إلى مثله أو قريب منه، وقد وصف الله نفه بما لا مزيد عليه في الدقة والسمو فقال: **ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
ولكن الفطرة البشرية هي الفطرة البشرية، فالإنسان ما زال - ولا يزال - باحثًا عن شيء يراه بعينه فيوجه إليه أشواقه ويقضي به حنينه، ويشبع به رغبته الملحة في التعظيم والدنو، وقد اختار الله لذلك أمور ظاهرة محسوسة اختصت به ونسبت إليه وتجلت عليها رحمته، وحفتها عنايته، بحيث إذا رئيت ذُكِرَ الله، وارتبط بها وقائع وحوادث وأفعال وأحوال تذكر بأيام الله وآلائه ودينه وتوحيده وحسن بلاء أنبيائه، وسماها (شعائر الله) التي جعل تعظيمها تعظيمة، والتفريط في جنبها تفريطًا في جنبه، وسمح للناس أن يقضوا بها حنينهم الكامن في نفوسهم ورغبتهم الفطرية في الدنو والمشاهدة، بل حث إلى ذلك ودعا إليه فقال: **وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البت أن لا تشرك بي شيئًا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود * وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالًا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق * ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير إلى أن قال: **ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب. وقال: {إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرًا فإن الله شاكرٌ عليمٌ} .
ثم إن الإنسان ليس عقلًا مجردًا، ولا كائنًا جامدًا يخضع لقانون أو غرادة قاسرة، ولا (ماكينة) أو جهازًا حديديًا يتحرك ويسير تحت قانون معلوم أو على خط مرسوم، إن الإنسان عقل وقلب، وإيمان وعاطفة، وطاعة وخضوع، وهيام وولع، وحب وحنان، وفي ذلك سر عظمته وشرفه وكرامته، وفي ذلك سر قوته وعبقريته وإبداعه، وسر تفانيه وتضحيته، وبذلك استطاع أن يتغلب على كل معضلة ومشكلة، وأن يصنع العجائب والخوارق، واستحق أن يحمل أمانة الله التي اعتذر عنها السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان، ووصل إلى ما لم يصل إليه ملك مقرب ولا حيوان ولا نبات ولا جماد.
إن صلة هذا الإنسان بربه ليست صلة قانونية عقلية فحسب، يقوم بواجباته ويدفع ضرائبه ويخضع أمامه ويطيع أوامره وأحكامه، إنما هي صلة حب وعاطفة كذلك، صلة لا بد أن يرافقها ويقترن بها ويتحكم فيها حنان وشوق، وهيام ولوعة، وتفانٍ وتهالك، والدين لا يمنع من ذلك بل يدعو إليه ويغذيه ويقويه، فتارة يقول القرآن:
**والذين آمنوا أشد حبًا لله.
وتارة يقول: **قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين.
(يُتْبَعُ)