ـ [أبو أويس الفَلاَحي] ــــــــ [05 - Nov-2009, مساء 07:29] ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
كلام الأقران:
من سنن الله في خلقه أن يبتلىَ الأقران بعضهم ببعض، لحسد بعضهم، أو فظاظةِ ألفاظٍ، أو سوءِ أخلاقٍ، أو سوءِ فهمٍ لمسألةٍ مُختلفٍ عليها.
وقد يكون كلام بعضهم في بعض تأولًا أو اجتهادًا، كما حصل بين الصحابة رضوان الله عليهم، فقد قال معاذ -في الشابِّ الذي ترك الصلاة وراءه: (( منافق ) )وكان مؤمنًا صادقًا، وقال عمر رضي الله عنه في حاطب: (( منافق ) )وردَّ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، وشهد لحاطب بالإيمان.
وقال علي ومعاوية كلاهما في أخيه ما قال، فلم يلتفت إلى ذلك أهل السنة، وكل من التفت إلى ذلك عُدَّ من أهل البدع والفتن.
قال ابن عبد البر رحمه الله في جامعه (1094) [1] : (( إن السلف رضي الله عنهم قد سبق من بعضهم في بعض كلام كثير منه في حال الغضب، ومنه ما حمله عليه الحسد، كما قال ابن عباس ومالك بن دينار وأبو حازم. ومنه على جهة التأويل مما لا يَلزم المقول فيه ما قال القائل .. ثم قال: ونحن نورد في هذا الباب من قول الأئمة الجلَّة الثقات السادة، بعضهم في بعض مما لا يجب أن يلتفت فيهم إليه، ولا يعرج عليه ) ).
وقد استفتح ابن عبد البر الباب الذي أشار إليه بحديث النبي صلى الله عليه وسلم (( دب إليكم داء الأمم من قبلكم، الحسد والبغضاء ... ) )الحديث إشعارًا بأن معظم ما قيل في هذا الباب، هو من باب الحسد، وأن رسول اللهrلم يستثن منه أحدًا، عالمًا كان أو جاهلًا، وجيهًا كان أو وضيعًا.
وأما قول ابن عباس رضي الله عنه الذي أشار إليه ابن عبد البر، فهو قوله: (( خذوا العلم حيث وجدتم، ولا تقبلوا قول الفقهاء بعضهم في بعض، فإنهم يتغايرون كتغاير التيوس في الزريبة ) )
وأما قول مالك بن دينار فهو:
(( يؤخذ بقول العلماء والقراء في كل شيء إلا قول بعضهم في بعض، فلهم أشد تحاسدًا من التيوس ) ).
ثم ضرب ابن عبد البر رحمه الله في كتابه أمثلة من قول بعضهم في بعض، من الأفضل الإعراض عنها، ولكننا نسوق بعضها باختصار للاعتبار، وليعقلها الأخيار، ويتقي شرها الأبرار -فكن منهم رعاك الله- لعل الله يطفئ بها الفتن.
فقد تكلم الإمام مالك في ابن إسحاق وكذَّبه، وقال: (( هذا دجَّال من الدجاجلة ) )، ولم يقبل العلماء قول مالك رغم إمامته، وقبلوا رواية ابن إسحاق ووثَّقوه. وقال ابن وهب عن عبد الله بن زياد: ثقة، وكان مالك يقول فيه:"كذَّاب"وردَّ العلماء قول مالك، ومثل هذا الاختلاف كثير جدًا.
وتكلم في مالك جماعة من العلماء الأجلة، منهم إبراهيم بن سعيد، وإبراهيم بن أبي يحيى، وكان يدعو عليه، وعبد العزيز بن أبي سلمة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وابن إسحاق، وابن أبي يحيى، وابن أبي الزناد وغيرهم، وعابوا أشياء من مذهبه، حتى الإمام الشافعي تحامل عليه، وبعض أصحاب الإمام أبي حنفية حسدًا، حتى قال ابن أبي ذئب فيه - لمسألة خالف مالك فيها نصًا متأولًا - قال: (( يستتاب مالك وإلا يقتل .. ) ).
ورغم أن جميع من تكلم فيه من أهل السنة، بل من علمائها وأئمتها، ومع ذلك لم يُصْغَ إلى أحد منهم، وعدُّوا ذلك من كلام الأقران.
وأطلق ابن معين لسانه في كثير من الأئمة، في الأوزاعي والزهري، حتى طال لسانه في الإمام الشافعي وغيرهم قال ابن عبد البر: (( وقد كان ابن معين -عفا الله عنه- يطلق في أعراض الثقات الأئمة لسانَهُ بأشياءٍ أُنكرت عليه .. ) )، وكل الذين تكلم فيهم، هم عند العلماء أعلم منه وأفقه.
ومن أعظم الفتن بعد فتنة الأنبياء التي هي سلوى للمبتلين، وعبرة للسامعين، وردع للغافلين، فتنة الإمام البخاري، إذ حسده أقرانه، بل مَنْ هم دون ذلك، وتكلموا فيه، وبدَّعوه، وهجروه، وأمروا الناس بهجره، حتى خرج من بعض البلدان وحيدًا، ليس معه أحد إلا الله تعالى، وكفى بالله للمظلومين نصيرًا.
وَسِرُّ ذلك: أن البخاري لما قدم نيسابور بلد محمد بن يحيى قال لتلاميذه محمد بن يحيى: (( اذهبوا إلى هذا الرجل الصالح فاسمعوا منه، فذهب الناس إليه، وأقبلوا على السماع منه، وظهر الخلل في مجلس محمد بن يحيى، فحسده بعد ذلك، وتكلم فيه ) ).
(يُتْبَعُ)