وهم مسلمون بأن اللّه هو الذي يبدأ الخلق غير مسلمين بإعادته، ولا بالبعث والنشور والحساب والجزاء ..
ولكن حكمة الخالق المدبر لا تكمل بمجرد بدء الخلق ثم انتهاء حياة المخلوقين في هذه الأرض، ولم يبلغوا الكمال المقدر لهم، ولم يلقوا جزاء إحسانهم وإساءتهم، وسيرهم على النهج أو انحرافهم عنه. إنها رحلة ناقصة لا تليق بخالق مدبر حكيم. وإن الحياة الآخرة لضرورة من ضرورات الاعتقاد في حكمة الخالق وتدبيره وعدله ورحمته. ولا بد من تقرير هذه الحقيقة لهم وهم الذين يعتقدون بأن اللّه هو الخالق، وهم الذين يسلمون كذلك بأنه يخرج الحي من الميت. والحياة الأخرى قريبة الشبه بإخراج الحي من الميت الذي يسلمون به:
«قُلِ: اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ» ..
وإنه لعجيب أن يصرفوا عن إدراك هذه الحقيقة ولديهم مقدماتها:
«فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ» ..
فتوجهون بعيدا عن الحق إلى الإفك وتضلون؟
«قُلْ: هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ؟» ..
فينزل كتابا، ويرسل رسولا، ويضع نظاما، ويشرع شريعة، وينذر ويوجه إلى الخير ويكشف عن آيات اللّه في الكون والنفس ويوقظ القلوب الغافلة، ويحرك المدارك المعطلة. كما هو معهود لكم من اللّه ومن رسوله الذي جاءكم بهذا كله وعرضه عليكم لتهتدوا إلى الحق؟ وهذه قضية ليست من سابق مسلماتهم، ولكن وقائعها حاضرة بين أيديهم. فليقررها لهم الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - وليأخذهم بها:
«قُلِ: اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ» ..
ومن هذه تنشأ قضية جديدة، جوابها مقرر:
«أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ؟ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى؟» ..
والجواب مقرر. فالذي يهدي الناس إلى الحق أولى بالاتباع، ممن لا يهتدي هو بنفسه إلا أن يهديه غيره ..
وهذا ينطبق سواء كان المعبودون حجارة أو أشجارا أو كواكب. أو كانوا من البشر - بما في ذلك عيسى عليه السلام، فهو ببشريته محتاج إلى هداية اللّه له، وإن كان هو قد بعث هاديا للناس - ومن عدا عيسى عليه السلام أولى بانطباق هذه الحقيقة عليه:
«فَما لَكُمْ؟ كَيْفَ تَحْكُمُونَ؟» ..
ما الذي وقع لكم وما الذي أصابكم؟ وكيف تقدرون الأمور، فتحيدون عن الحق الواضح المبين؟
فإذا فرغ من سؤالهم وإجابتهم، وتقرير الإجابة المفروضة التي تحتّمها البديهة وتحتّمها المقدمات المسلمة ..
عقب على هذا بتقرير واقعهم في النظر والاستدلال والحكم والاعتقاد. فهم لا يستندون إلى يقين فيما يعتقدون أو يعبدون أو يحكمون، ولا إلى حقائق مدروسة يطمئن إليها العقل والفطرة، إنما يتعلقون بأوهام وظنون، يعيشون عليها ويعيشون بها وهي لا تغني من الحق شيئا.
«وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا. إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا. إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ (36) ... » .
فهم يظنون أن للّه شركاء. ولا يحققون هذا الظن ولا يمتحنونه عملا ولا عقلا. وهم يظنون أن آباءهم ما كانوا ليعبدوا هذه الأصنام لو لم يكن فيها ما يستحق العبادة: ولا يمتحنون هم هذه الخرافة، ولا يطلقون عقولهم من إسار التقليد الظني. وهم يظنون أن اللّه لا يوحي إلى رجل منهم، ولا يحققون لماذا يمتنع هذا على اللّه.
وهم يظنون أن القرآن من عمل محمد ولا يحققون إن كان محمد - وهو بشر - قادرا على تأليف هذا القرآن، بينما هم لا يقدرون وهم بشر مثله .. وهكذا يعيشون في مجموعة من الظنون لا تحقق لهم من الحق شيئا. واللّه وحده هو الذي يعلم علم اليقين أفعالهم وأعمالهم ..
«إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ» .. ».