فهرس الكتاب

الصفحة 7832 من 28557

مقالات الشيخ طارق عبد الحليم{نظرات في الدراسات الاجتماعية - مصادرها ومناهجها}

ـ [أبو محمد التونسي] ــــــــ [13 - May-2008, صباحًا 04:04] ـ

نظرات في الدراسات الاجتماعية - مصادرها ومناهجها

تحتل الدراسات الاجتماعية مكانًا بارزًا بين العلوم التي تشتد إليها حاجة الأمم، مع تزايد درجة وعيها بسنن الله سبحانه في خلقه الماديّ والبشريّ جميعًا، ومع اضطراد رقيها العقلي والخلقي، وبعدها عن عفوية الفهم، وتلقائية التصرف.

وإن كنا نقصد بتلك الدراسات ما يتناول الحالة الإنسانية في انفرادها واجتماعها بالبحث والتحليل، وإظهار ما يعتريها من ظواهر نفسية، وسنن اجتماعية، فإن القرآن الكريم قد أحلَّ تلك المباحث محلًا عاليًا، وأولاها رعاية بالغة، وعالج في محكم آياته العديد من تلك الظواهر، كما أفصح عن دوام تلك السنن؛ دل سبحانه على اضطراد سننه العامة المادية والاجتماعية في قوله تعالى: (( سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ولَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ) ) [الأحزاب:62] ، وعالج حركة النفس الإنسانية حين تواجه خطرًا محدقًا يكاد يذهلها عن قوام وجودها - الإيمان - حتى لتظن بالله الظنون، قال تعالى: (( إذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ ومِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وإذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ) ) [الأحزاب:10] ثم يصف سبحانه حالة النفس المنافقة المخادعة، وقد واجهت الخوف والفزع: (( أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإذَا جَاءَ الخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ ) ) [الأحزاب:19] . ويفصح سبحانه عن اختلاط أصحاب النية الصافية الكاملة التوجه لله سبحانه بمن لا يزال للدنيا نصيب من نفسه، وإن لم يصادم ذلك الإيمان في معرض بيان أثر ذلك على الدعوة الإسلامية وتقدمها، منبئًا عن ذلك القدر الرفيع من الإيمان الذي يتمحض فيه الخير، وتتفرد فيه النية لله، (( حَتَّى إذَا فَشِلْتُمْ وتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وعَصَيْتُم مِّنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا ومِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ولَقَدْ عَفَا عَنكُمْ واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ ) ) [آل عمران] (1) .

ثم كثير كثير من الآيات المحكمات التي يعالج فيها الحق سبحانه تلك الحالات التي تطرأ على النفس أفرادًا وجماعات، ليكون المؤمن على بصيرة من نفسه، وعلى وعي بمسالكها ودروبها.

يقول سيد قطب في الظلال:"وكان القرآن الكريم يتنزل في إبان الابتلاء، أو بعد انقضائه، يصور الأحداث، ويلقي الأضواء على منحنياته وزواياه، فتنكشف المواقف، والمشاعر، والنوايا والضمائر، ثم يخاطب القلوب وهي مكشوفة في النور، عارية من كل رداء أو ستار ويلمس فيها مواضع التأثر والاستجابة (2) ."

ثم السنة الشريفة التي فيها بيان الكتاب وتفصيله، هي بيان لما بين العبد وربه، وبين العبد وأخيه، وبين العبد ونفسه، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- في سنته القولية والعملية، وفى سيرته الطاهرة قد مارس أعلى درجات التربية النفسية، والتوجيه الجماعي لتلك العصبة المؤمنة الأولى ممارسة فعلية وبيانًا قوليًا بما يصلح أن يكون منهجًا متكاملًا وأساسًا ركينًا لما هو موضوع تلك الدراسات الاجتماعية الإنسانية.

وقد تناول عديد من علماء المسلمين وأئمتهم، في مجالي المباحث الأخلاقية والتربوية، ما يجب أن يكون عليه المسلم من خلق قويم، وما يجب أن يتحاشاه من سلوك ذميم، من خلال التعرض لتلك الصفات الحميدة التي دل عليها الكتاب وفصلتها السنة كالصبر والحلم وكظم الغيظ في مجال المباحث الخُلُقية، كالإمام النووي وابن القيم وغيرهما.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت