فهرس الكتاب

الصفحة 17640 من 28557

ـ [خالد عبد المعطى كروم] ــــــــ [08 - May-2009, مساء 04:36] ـ

بسم الله الرحمن الرحيم

المأزق الأمريكي

د. أكرم حجازي

قبل الهجوم الأمريكي على إمارة أفغانستان طالبت الولايات المتحدة بتسليم بن لادن لها باعتباره مسؤولا عن هجمات الحادي عشر من سبتمبر، ولم يكن هذا المطلب بالنسبة لطالبان ليعني، بأي حال، استمرار نظام الإمارة وتوجهاتها ولا السماح باستمرار نشاط القاعدة دون بن لادن. فالأمريكيون، بحسب الملا محمد عمر، سعوا لإسقاط الإمارة منذ إعلانها، ولو لم يكن حدث 11 سبتمبر مبررا قويا لسعوا لإيجاده. كما أن الأمريكيين كانوا موقنين، أيضا، بأن مطلبهه ليس سوى تعلة لغزو البلاد، وعليه فقد ذهبوا إلى المعارضين للإمارة وخيّروهم بين التعاون معهم لإسقاط الإمارة وإعادة إعمار البلاد أو الوقوف إلى جانب طالبان وخسارة كل شيء.

وعلى شدة الهجوم الأمريكي والمجازر الفظيعة التي ارتكبت في أفغانستان ما كان لأحد أن يتوقع قيامة لطالبان أو القاعدة وهما وسط أهوال من الركام التي طمرتهما تحت أشد الأسلحة الأمريكية تدميرا وفتكا. فما تعرضت له الجماعتان كان كافيا لاختفائهما عن وجه الأرض لألف سنة قادمة. ولو أصيبت جماعة أخرى ما أصاب طالبان والقاعدة لما قامت لها قيامة أبد الدهر.

لكن مع مضي سنوات الحرب الطاحنة كانت الاستراتيجية الأمريكية تتآكل كلما تبين أن طالبان تتضخم ويثمر جهادها ابنة شرعية هي طالبان الباكستانية ونفوذ واسع النطاق، حينها أدرك الأمريكيون أن استمرار تراجع قوات الناتو في أفغانستان سيعني بالنهاية سيطرة طالبان والقاعدة، وهذا لن يهدد المنطقة برمتها وفي مقدمتها باكستان فحسب بل سيكون وبالا على الغرب. لهذا أعلنت الولايات المتحدة عن استراتيجية جديدة في المنطقة لوقف الزحف الطالباني وتأمين المنطقة. والسؤال: لماذا تبدو باكستان بعد كل هذه الخدمات تحت المطرقة الأمريكية والتهديد بتفكيكها؟ وفي المقابل تبدو الولايات المتحدة مضطرة إلى الاستعانة بإيران بصورة غير مسبوقة وهي التي فضلت احتكار الملف الأفغاني منذ احتلال البلاد؟ ما الذي لم تقدمه باكستان ويمكن أن تقدمه إيران؟

لما تتحدث الولايات المتحدة عن الحاجة إلى استراتيجية جديدة فهذا يعني أن القديمة إما أنها فشلت تماما أو أنها لم تعد كافية لمواجهة المستجدات على الساحة. أما القديمة فقد استندت بالدرجة الأساس إلى معيار القوة عبر التدخل العسكري العنيف الذي لم يأخذ بعين الاعتبار مصالح أي طرف آخر. ولتحقيق أهدافها اعتمدت على باكستان كقاعدة انطلاق في تدمير أفغانستان وضرب طالبان والقوى الجهادية فيها سواء كانت القاعدة أو أية قوة أخرى. وباعتبارها قوة غزو فقط، فمن الطبيعي أن تمارس أمريكا المراوغة والكذب، كعادتها، فيما يتعلق ببناء أفغانستان والقضاء على تجارة المخدرات فيها والتي نمت صادراتها أضعافا مضاعفة في ظل احتلالها العسكري للبلاد. وكعادتها أيضا جاءت بعملائها ونصبت منهم حكاما على البلاد وأفسحت المجال لأوكار الفساد والإفساد حتى تجري عملية النهب للثروات دون أن تجد من يحاسبها.

ولأن الاستناد إلى معيار القوة كان مصحوبا، كالعادة، بحزمة من القيم الوحشية التي تميز الأمريكيين وتهيمن على عقليتهم كالغرور والحقد والاستعلاء والرغبة في الانتقام فقد اعتقدوا أن بمقدورهم تحقيق أهدافهم في أفغانستان دون عناء كبير، بل أنهم نزلوا في أفغانستان، كما غيرها من البلدان، وهم محملين بثقافة الصيد والقتل العشوائي والتدمير والاستخفاف بالسكان والإثخان فيهم. وفي ضوئها هاجمت الولايات المتحدة أكثر من 500 هدف مدني كالمدارس والمساجد والأعراس ودور تحفيظ القرآن والقرى النائية في محاولة لإرهاب السكان وفك أي ارتباط بينهم وبين المقاتلين، فضلا عن أن جرائمهم الوحشية ارتكبت كما لو أنها عربون نقاهة في معالجة آثار الصدمة النفسية التي خلفتها هجمات 11 سبتمبر. وفي المحصلة بدت التصرفات الدموية للأمريكيين في أفغانستان أقرب إلى تلبية احتياجاتهم النفسية من قربها لأية احتياجات أمنية أو استراتيجية كما زعمت الولايات المتحدة بقيادة المحافظين.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت