فهرس الكتاب

الصفحة 25004 من 28557

ـ [أبو عبدالعزيز الشثري] ــــــــ [11 - May-2010, صباحًا 12:54] ـ

لم أَعتدِ الارتباطَ بعملٍ أو الانسياقَ لدعوةٍ عَقِب فراغي من مُحاضراتِ الجامعة، إذ الإرهاقُ والنصبُ يتعاقبان فيَّ إذ ذاك، كحالِ أيِّ طالب يقاسِي وَهَجَ الدراسةِ المتواليةِ الساعات ..

لكنَّ الشأنَ هذا الأسبوعَ لايتوافق مَعَ ما روَّضت نفسِي عليه، فبعد أن آذنتِ الدقيقةُ العشرينُ بالرَّحيل بعد الساعة الواحدة من ظُهرِ يَومِ السّبتِ المنصرم دعاني أحد زملاء الدراسة لزيارة المكتبة المركزيَّة بجامعتِي جامعةِ الإمامِ محمد بن سعود الإسلاميَّة ..

لم أرَ أنَّ مثلَ هذه الدعوات تغريني كثيرًا، فلم أُدخلها حيِّزَ التفكير، وعزمت على الانصراف .. غيرَ أن الدعوة هذه المرَّة احتفت بخبرٍ مفادُه أن هناك مايؤنسني (على حَدِّ قَولِ صَاحِبِي) ..

لم يجعلْ لي مجالًا للسؤال، بل قال مبادرًا: (يوجد معرض للفنون التشكيلية يحوي رسمات لجورج واشنطن، ولينكولن، وبعض النساء!!) .

لم يكن صاحبي محلَّ اتهام عندي، لكنّ اليقينَ لم يُدَاخِل قلبي والخبرُ ماعَلِمتَ، وحُقَّ لي ذلك ..

عزمتُ على الذهاب، بادرتُ به، أخذتُ أَجُرُّ الخطى، وصلت سريعًا .. فوافَقَ الخُبرُ الخبرَ، ولَيتَهُ كذَّبه، فليس ثبوتُ كذبِ صاحبي بأسوأَ عندي من صدقِه في خبرٍ كهذا ..

كنت أظنُّ الواردَ على المكتبة سيلاقي بعضَ العناءِ في بلوغِ هذا المعرضِ المشؤومِ عليَّ، حتى لَإِنَّه بالكاد يُبصِرُ المعرضَ إلا من طَرْفٍ خفيٍّ ..

هكذا كنت أظن، و هذا ماكنت أرجوه، ومن حقِّي أن أُقدِّر ذلك وأتلمَّسُه، فسوأَةٌ تنالُ منارًا علميًّا إسلاميًّا كجامعة الإمام = من حقِّها أن تَنَالني أنا الذي جعلتُ من أعظمِ أولويَّاتي حصدَ شهادةٍ مختومٍ عليها شعارُها ..

لكنَّ الواقعَ - مرةً أخرى - لم يأتِ على ما أردتّ، فكانت اللوحاتُ الفنيَّة أوَّلَ ما يلقاه باغي المكتبة وقاصدُها ..

فلا أدري!! ..

أَمِنَ احتضانِ الجامعة لهذا الأمر أخجل؟!

أم مِن جعلها ذلك في أعظم أركانها، أعني به المكانَ الذي يضمُّ مصادرَها وتراثَها الإسلاميَّ الأصيل؟!

أم من جعلها في البهو الرئيسي للمكتبة؟!

حقًّا إنها (ثلاثُ عوراتٍ) لنا ..

إنّ الفنونَ التشكيليَّة، والرسوماتِ التي يُطرِّزها ذوو الأناملِ الرشيقة، عبارةٌ عن إسقاطاتٍ اجتماعيَّةٍ لخلفياتٍ ثقافية عاشها أصحابُها، فهي بالتالي معلمٌ حضاريٌّ، ينبغي اعتباره دليلًا أو قل: سبيلًا للوصول إلى مُستكِنَّات أفكارِ الأممِ والشعوبِ ومعتقداتِها، سواءٌ كان ذاك المعلمُ مقبولًا أو مرفوضًا ..

المهمّ: أنه يعكِسُ لك ظلًّا لأحوالِ تلك البقعةِ الإقليميَّةِ التي نبعت منها تلك الفنون ثقافيًّا ومعرفيًّا وعقائديًّا ..

هذه مقدمةٌ أجدني مضطرًّا للتَّقدِمة بها، لأنَّ كثيرينَ أضحَوا يتعاملون مع الهُوِيَّات وكأنها لُعبُ أطفال!!

أخذتُ أتجوَّل بين تلك اللوحات، وهي تقارب خمسًا وعشرين لوحةً، استَدْبَرَتْ كلُّ لوحةٍ صاحبتَها، وتجمَّعت كلُّها في مكانٍ ليس بالواسع، لكنّه -كما قدَّمت- في مَحَلِّ العينِ ومَجرى الخُطى ..

أخذت أتجوَّل، فإذا بعيناي ترقبان ثُلَّةً من رموز القارّة الأمريكيّة ..

جورج واشنطن، أبراهام لينكولن، بنيامين فرانكلين، وغيرهم ..

وإذا بها تحوي صورةً لأم مهاجرة! معها طفلُها، وقد امتطت قاربًا تَشُقُّ به عبابَ البحرِ - أو ربما النهر - ويقودُ القاربَ رجلٌ، أظنه زوجَها ..

وصورةً لِامرأةٍ تحلَّت بلَبُوسٍ لها فاخِر .. ربما هي الأخرى رمزٌ طَوَته صَفَحَات التَّارِيخ، لكن رأت الجامعةُ أنَّ مِن الأصلحِ إبرازَها مَعَ غيرِها من اللوحات لِيَرَى شادي العلمِ بعضًا من الإبداعات الفنيَّةِ لدوروثي لانغ أو ماري كاسات أو جون سنغر وغيرِهِم!!

سألتُ رجلَ الأمنِ المكلَّفَ بمراقبةِ المعرَضِ عن مصدرِ هذه اللوحات، فأخبرني أنها تابعةٌ للمُلْحقيَّة الثقافيِّة التابعةِ للسفارة الأمريكية ..

فانحلَّ بذلك جزءٌ من المشكلة، فليست هذه اللوحاتُ انتقاءاتٍ من رجال دانوا بـ (لاإله إلا الله) إيمانًا وتصديقًا ..

ويبقى الجزءُ الآخرُ والذي أحب تناولَه فيما تبقى من هذه المقالةِ ..

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت