فهرس الكتاب

الصفحة 25003 من 28557

قال شيخ الإسلام رحمه الله:"والمقصود أن القول بوجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه لم يقل أحد من العقلاء أنه معلوم بالضرورة، وكذلك سائر لوازم هذا القول مثل كونه ليس بجسم ولا متحيز ونحو ذلك، لم يقل أحد من العقلاء إن هذا النفي معلوم بالضرورة، بل عامة ما يُدَّعى في ذلك أنه من العلوم النظرية، والعلوم النظرية لا بُدَّ أن تنتهي إلى مقدمات ضرورية"

أين في هذا الكلام ما يدل على قول شيخ الإسلام رحمه الله بالجسمية؟

ليس في كلامه سوى أن وجود موجود لا في داخل العالم ولا خارجه ليس من العلوم بالضرورية، وأن ما يجعلونه من لوازم القول بوجود موجود على هذه الصفة هو أيضًا ليس من العلوم الضرورية. وأن من أثبت موجودًا لا داخل العالم ولا خارجه وأنه ليس بجسم ولا متحيز يصرح بأن هذا من العلوم النظرية لا العلوم الضرورية، وقد صرح بذلك غير واحد كالسنوسي في بداية (أم البراهين) ، بل يكفي في إثباته أنا لا نجد ذلك في نفوسنا، ولو كان ضروريًا لاشترك فيه كافة العقلاء.

وهذا لا خلاف فيه، وإلا فلينقل لنا فودة عمن زعم أن هذه القضية ولوازمها من العلوم الضرورية.

ثم قال شيخ الإسلام"مما يبين أن هذه القضية حق أن جميع الكتب المنزلة من السماء وجميع الأنبياء جاءوا بما يوافقها لا بما يخالفها، وكذلك جميع سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين وتابعيهم يوافقون مقتضاها لا يخالفونها. ولم يخالف هذه القضية الضرورية من له في الأمة لسان صدق، بل أكثر أهل الكلام والفلسفة يقولون بموجبها، وإنما خالفها طائفة من المتفلسفة، وطائفة من المتكلمين ..."

فقوله: (مما يبين أن هذه القضية) يريد بالقضية ما تقدم من أن القول بموجود لا داخل العالم ولا خارجه ليس من العلوم الضرورية، لا ما يلزم من ذلك من نفي الجسمية والتحيز، أولًا: لأن الكلام مع الرازي إنما هو في هذه القضية خاصة، وثانيًا: لأنه استدل بقول من ينفي الجسمية والتحيز لتصحيح دعواه فقال:"يبين ذلك أن الذين قالوا: ليس هو جسم ولا متحيز تنازعوا بعد ذلك: هل هو فوق العالم، أم ليس هو فوق العالم، فقال طوائف كثيرة: هو فوق العالم، بل هو فوق العرش، وهو مع هذا ليس بجسم ولا متحيز" (نقض التأسيس) صفحة 6.

وإنما ذكر أن نفي الجسمية والتحيز ليس بمعلوم بالضرورة استطرادًا لكونه من لوازم هذه القضية كما صرح به، وما يلزم عن النظري ليس بضروري.

وهذا المقدار قد جاء كتاب الله جل وعلا بإثباته بما لا يُحْصى إلى بكلفة، بل ادعى الإمام الألوسي رحمه الله أن كون الموجود إما في داخل العالم أو خارجه مما يُعْلَمُ بالضرورة وعبارته: (وقد علم كل العقلاء بالضرورة أن ما كان وجوده كذلك فهو إما داخل العالم وإا خارج عنه وانكار ذلك انكار ما هو أجلى البديهيات فلا يستدل بدليل على ذلك إلا كان العلم بالمباينة أظهر منه وأوضح وإذا كان صفة الفوقية صفة كال لا نقص فيها ولا يوجب القول بها مخالفة كتاب ولا سنة ولا اجماع كان نفيها عين الباطل لا سيما والطباع مفطورة على قصد جهة العلو عند التضرع إلى الله تعالى) انتهى (روح المعاني) 7/ 115.

وعلى فرض أنه قصد الجسمية والتحيز فإنما أراد بذلك الجسم والمتحيز بمعنى المحايث فقط، لأنه يتكلم عن لازم القول بموجود لا داخل العالم ولا خارجه، لا على مطلق الجسم.

لكن الرجل هذا فيه شبه بالرافضة، إذ يرى جواز الإنتصار للمذهب بالتدليس، فسحبانك اللهم.

ثم هب أن شيخ الإسلام صرح صراحة بالجسمية وقال أريد الجسم المعروف في اللغة، وهو الجثة والجسد؛ فإن الكلام إنما هو بين طائفتين هم السلفيون ـ أو التيميون بحسب تعبير فودة ـ والأشاعرة. فهل وجد في كتب السلفيين التصريح بالجسمية وأنه معتقد عامتهم حتى يصح أن يجعل قول شيخ الإسلام قولًا لجميعهم ويقابل به قول الأشاعرة؟

نعود إلى موقف السلفيين من الجسمية فنقول: لا يطلق السلفيون لفظ الجسم على الله جل وعلا لا نفيًا ولا إثباتا، لكن ينظرون في معناه عند قائله، فإن كان صحيحًا أثبتوا المعنى دون اللفظ، كقول الكرامية والهشامية الجسم هو القائم بنفسه أو ا لموجود أو الشيء، فيثبتون هذا المعنى وينكرون عليه إطلاق اللفظ، وكقول الأشاعرة أن الجسم هو المؤلف من الجواهر المفردة، فإن السلفيون ينكرون ذلك لفظًا ومعنى، ولا يسلمون بوجود الجسم بهذا المعنى أصلًا.

فهم من هذه الجهة موافقون للسلف الأول في عدم الكلام في الجسم والجسمية باصطلاح المتكلمين لخلو الكتاب والسنة عن الكلام فيه.

وخاض الأشاعرة فيما نهى عنه السلف وتركوا الكلام فيه من جسم وجوهر وعرض وغري ذلك.

يتبع

ـ [وضاح الحمادي] ــــــــ [15 - May-2010, مساء 03:56] ـ

أشكر الأخوة الذين تفاعلوا

وأعتذر من الجميع على الأخطاء، فأنا أكتب سريعًا ولا أراجع إلا يسيرًا

وجزى الله الجميع خيرا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت