فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ـ [سعد هارون] ــــــــ [23 - Apr-2009, مساء 04:03] ـ
حملة العلم بعد التابعين:
اعلم أن اللّه تعالى أنشأ بعد عصر التابعين نشئا من حملة العلم إنجازا لما وعده رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حيث قال: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدو له» ، فأخذوا عمن اجتمعوا معه منهم صفة الوضوء والغسل والصلاة والحج والنكاح والبيوع وسائر ما يكثر وقوعه، ورووا حديث النبي صلى اللّه عليه وسلم، وسمعوا قضايا قضاة البلدان وفتاوى مفتيها، وسألوا عن المسائل، واجتهدوا في ذلك كله، ثم صاروا كبراء قوم، ووسد إليهم الأمر، فنسجوا على منوال شيوخهم، ولم يألوا في تتبع الإيماءات والاقتضاءات، فقضوا، وأفتوا، ورووا، وعلموا. وكان صنيع العلماء في هذه الطبقة متشابهًا.
طريقة اجتهاد هؤلاء العلماء:
وحاصل صنيعهم أن يتمسك بالمسند من حديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والمرسل جميعًا، ويستدل بأقوال الصحابة والتابعين علمًا منهم أنها إما أحاديث منقولة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم احتقروها، فجعلوها موقوفة كما قال إبراهيم، وقد روى حديث نهي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن المحاقلة والمزابنةفقيل له: أما تحفظ عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حديثًا غير هذا؟ قال: بلى ولكن أقول قال عبد اللّه قال علقمة: أحب إلي.
وكما قال الشعبي - وقد سئل عن حديث - وفيل: إنه يرفع إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: لا بأعلى من دون النبي صلى اللّه عليه وسلم أحب إلينا، فإن كان فيه زيادة ونقصان كان علي من دون النبي صلى اللّه عليه وسلم، أو يكون استنباطا منهم من المنصوص أو اجتهادا منهم بآرائهم وهم أحسن صنيعا في كل ذلك ممن يجيء بعدهم وأكثر إصابة وأقدم زمانًا وأوعى علمًا، فتعين العمل بها إلا إذا اختلفوا.
قول الصحابة أرجح من الحديث المختلف:
وكان حديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يخالف قولهم مخالفة ظاهرة وأنه إذا اختلفت أحاديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في مسألة رجعوا إلى أقوال الصحابة، فإن قالوا بنسخ بعضها أو بصرفه عن ظاهره، أو لم يصرحوا بذلك، ولكن اتفقوا على تركه وعدم القول بموجبه فإنه كإبداء علة فيه أو الحكم بنسخه أو تأويله - اتبعوهم في كل ذلك، وهو قول مالك في حديث ولغ الكلب جاء هذا الحديث ولكن لا أدري ما حقيقته يعني حكاه ابن الحاجب في مختصر الأصول لم أر الفقهاء يعملون به.
إذا اختلفت مذاهب الصحابة والتابعين:
وأنه إذا اختلفت مذاهب الصحابة والتابعين في مسألة فالمختار عند كل عالم مذهب أهل بلده وشيوخه لأنه أعرف بصحيح أقاويلهم من المقيم وأوعى للأصول المناسبة لها، وقلبه أميل إلى فضلهم وتبحرهم.
فمذهب عمر وعثمان وابن عمر وعائشة وابن عباس وزيد بن ثابت، وأصحابهم مثل سعيد بن المسيب فإنه كان أحفظهم لقضايا عمر، وحديث أبي هريرة، ومثل عروة وسالم وعطاء بن يسار وقاسم وعبيد اللّه بن عبد اللّه والزهري ويحيى بن سعيد وزيد بن أسلم وربيعة - أحق بالأخذ من غيره عند أهل المدينة لما بينه النبي صلى اللّه عليه وسلم في فضائل المدينة، ولأنها مأوى الفقهاء ومجمع العلماء في كل عصر.
مذهب مالك وأهل المدينة:
ولذلك ترى مالكا يلازم محجتهم، ومذهب عبد اللّه بن مسعود وأصحابه، وقضايا علي وشريح والشعبي وفتاوى إبراهيم - أحق بالأخذ عند أهل الكوفة من غيره وهو قول علقمة حين مال مسروق إلى قول زيد بن ثابت في التشريك قال: هل أحد منكم أثبت من عبد اللّه؟ فقال لا ولكن رأيت زيد بن ثابت وأهل المدينة يشركون، فإن اتفق أهل البلد على شيء أخذوا بنواجذه، وهو الذي يقول في مثله مالك: السنة التي لا اختلاف فيها عندنا كذا وكذا، وإن اختلفوا أخذوا بأقواها وأرجحها إما بكثرة القائلين به أو لموافقته لقياس قوي، أو تخريج من الكتاب والسنة، وهو الذي يقول في مثله مالك: هذا أحسن ما سمعت، فإذا لم يجدوا فيما حفظوا منهم جواب المسألة خرجوا من كلامهم وتتبعوا الإيماء والاقتضاء، وألهموا في هذه الطبقة التدوين.
تدوين الفقهاء:
فدون مالك ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب بالمدينة، وابن جريج وابن عيينة بمكة، والثوري بالكوفة، وربيع بن الصبيح بالبصرة. وكلهم مشوا على هذا المنهج الذي ذكرته.
(يُتْبَعُ)