فهرس الكتاب

الصفحة 5625 من 28557

ـ [الجواد المغربي] ــــــــ [17 - Feb-2008, مساء 04:31] ـ

فقه الاقتناع

تعريف وتمهيد:

"قنعت"الإبل والغنم قنعا مالت لمأواها، وأقبلت نحو أصحابها، وقنعت الشاة ارتفع ضرعما، وفلان قنوع: رضي بالقسم واليسير، فهو قانع وقنيع"ج"قنع، وهو قنيع"ج"قنعاء، وهو قنع وقنوع أيضا، وهي قنيع وقنيعة. وقنيعة"ج"قنائع، وقنعه رضاه. واقتنع بالفكرة أو الرأي قبله واطمأن إليه، أنظر المعجم الوسيط مادة (ق. ن. ع) .

وفقه الاقتناع: فهم حقيقته وتدبرها التدبر، ليس بآلة العقل فقط، بل بالكيان والوجدان، إذ مصطلح الفقه كما لا يخفاك ليس يساوي العلم، الذي مصدرهُ العقل، بل هو أعم وأشمل، فالفقه يساوي العلم العقلي وزيادة، أي العلم القلبي؛ والقلب بضعة من العقل؛ ومعادلة ذلك كما يلي:

فقه = علم عقلي + علم قلبي.

فلنحفظها فإنها مفيدة، إن شاء الله.

الفقه بمسائل الاقتناع، حقيقته، أسبابه، نتائجه، مصادره ... من الأمور التي يجب على الداعية إلى الله أن يكون عالما بها فقها، كما يحتاجه كل متواصل، مدركا إياها الإدراك الأكمل الأتم، لينزلها التنزيل المطلوب، وهذه هي غاية الأمور، وملاكها. إذ حقيقة الشيء- كل شيء- عند تطبيقه تتضح.

والجهل بهذا الفقه سبب في دخول الداعية / المعلم / الخطيب/ الأب / المربي/ المتواصل ... متاهات كان في غنى عنها لو أنه كان على وعي به، كان سيمكنه من اختصار الطرق، وبلوغ الهدف في أقرب وقت، وبأقل جهد وتكلفة.

نحو نظرية في الاقتناع

نكون مخطئين - أفحش الخطأ - عندما نربط الاقتناع بقوة الحجة البرهان، فقوة الحجة والبرهان، والدليل، نقليا كان أو عقليا، لا تؤدي بالضرورة إلى الاقتناع، الاقتناع بالفكرة، بالموقف، بالرأي، بالسلوك، هو شيء خارج عن ذلك كله، ولا يتأثر به. أو بكلمة أخرى مكان الاقتناع ليس هو العقل، بل النفس، إن أعطت الإشارة للعقل اقتنع ورضي واستجاب، وإن لم تعطه امتنع، سواء أكانت الحجة دامغة أم قاتلة، فلا مكان للحجة في هذا السياق، ولا فعل لها في هذا السباق.

المانع من قبول الرأي والموقف والسلوك ... شيء كامن قابع في النفس، أو هو الهوى. يتصدى رافضا مضعفا لقويِّ الحجج والبراهين، بأشياء واهية وتصورات خاطئة، بل إنك تلفي قائلها غير مقتنع بها، إنما قالها ولفظها لشيء في نفسه صونا لماء وجه هواه - فيقول الهوى للعقل؛ باعتباره ممحصًا للحجج والبراهين: لا تقتنع ولا تستسلم لها، وكن صلبا ...

إنها والله ورطة ما بعدها ورطة: عقلٌ مسلم للحجج والرأي ونفس / هوى ممتنع، غير راض.

تجد هذا المتورط متلعثمًا في كلامه، كثير الاستدراك، غامض الفكرة عازفا على وتر العموميات من المسائل، حريصا على ترك الجزم، كثير اللف، والدوران، خارجًا عن الموضوع ومولدا للكلام ... ذلك حفاظا على أنانيته، فيكون الحوار تبعا لذلك مملا ًعقيما تركه أفضل وأفيد من الخوض فيه.

هنا نرتطم بسؤال نعتقده مهما كل الأهمية:

أين هو العقل الذي قلنا فيه وعنه الكثير؟ أين هو ذلك العقل الذي عقدنا عليه الآمال، وربطنا به الأحلام؟ أين هو؟

هذه الأسئلة تشككنا في سلطة العقل، التي عادة ما نسمع بها، ونقرأ عنها؛ فنندهش للأمر ونستغرب ويخامرنا الشك في سلطانه.

صحيح: العقل هو ما يميز الإنسان عن غيره، فلا أحد ينفي هذا، ولكن نحن هنا بصدد مقاربة قيمية توازن بين العقل، مصدر التخطيط والبناء والتنظيم، والاستنباط، والموازنة، وتستطير المشاريع، والنفس أو ما عبرنا عنه بالهوى، من حيث طغيان سلطانها على سلطة العقل في حالات خاصة.

ظُنَّ أن الحجةَ إن كانت قوية، والبرهان إن كان دامغا فرضا وجودهما على العقل وألزماه الامتثال لأمره، لكن ذا غير كائن، فالبرهان والحجة ليسا ملزمين للشخص، لقوة الدليل، ألم تر أن الأنبياء والرسل، بفضل ربهم، بسطوا الحجج والبراهين بسطا، ووضحوه إيضاحا، وألقوها بين أيدي أقواهم نجوما ساطعات، فما آمنوا ولا أسلموا، بل النفر المسلم منهم قليل والنزر يسير- كما تسجل ذلك في بدايات الدعوة- دع المعجزات الواضحات وما مَكَّنَهُم ربنا منه ليكون بين أيديهم، وبأيمانهم حججا وبراهين ودلائل.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت