فهرس الكتاب

الصفحة 5626 من 28557

لم يكُ ذا والله مجد أمام تعنتهم، وهواهم. أهواؤهم طغت على عقولهم، فأبت عليها الخضوع، وليس هذا طاعنا على الحجج، بل لشيء في النفس جعلهم لا يقتنعون ودفعهم إلى الإعراض والنكران، والعتو في الأرض مفسدين.

بناء على ما سبق: إن العقل تابع لا متبع، خاضع لشيء اسمه الهوى كما عرفت، وحب الذات، منتظر إشارته، فإن أشارت أثبت، وقال: نعمْ، وامتثل، وإن لم تُشِرْ عليه، نفى وقال: لا، وحجم.

فجهاز التحكم نفسٌ لا عقل، والنفس في هذه الحالة طاغية على العقل تديره كما شاءت. قال تعالى في سورة الشمس:"ونفس وما سواها، فألهما فجورها وتقواها، قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها" (الآيات: 7 - 8 - 9 - 10) .

صدقت يا رب العزة والجلال فقد أفلح وفاز وظفر من زكاها وطهرها، وأخلصها لربها، ونقاها، وأدبها، وخلصها من أنانيتها، وحسدها، وطغيانها، وخمولها ودعتها، والخيبة للذي دساها وأخملها، وجعلها حيث لا ترى نعمة التقوى، والإيمان والهدى والنور.

فما أدقَّ لفظ أفلح، ولفظ خاب، فهو فلاح شامل، إذ إنه نابع من جهاز قوي، قطب رحى كل العمليات، فالفكرة لا تكون خصبة إلا والنفس صافية هادئة ساكنة، وكذلك هي خيبة شاملة ..

وإذا لم يدافع العقل عن صاحبته النفس فعمن يدافع، ومن ينصره؟

ظنَّ بعض الحمقى أن العقل منتصر للحق الحجة والبرهان، وهذا غلط، إنه ذائد عن النفس، فهي مقوده كما عرفت، مدافع عنها مرض إياها، فإن لم يفعل فمن سيحقق توازنه؟ فكان أولى به أن يدافع عمن يأويه ويحميه.

لا يكون الإقناع إلا عندَ وجود شيء اسمه القابلية- أي الاستعداد الداخلي لتقبل رأي الآخر، وموقفه وسلوكه- أو الرغبة في القبول: فهذه الرغبة وذلك الاستعداد يرسلان سيالة أو إشارة؛ كيمياوية وكهربائية؛ تبيح للعقل الاقتناع، أو بكلمة أكثر دقة تبيح له التعامل مع المعروض (الموقف، السلوك، الرأي ... ) فيفتح العقل بابه آنذاك ويبدأ العمل، أما والنفس غير راضية فالعقل لا يعمل.

العبرة ليست في قوة الحجة وصلابتها، بل العبرة بمحتفات لها آثار كبيرة في حمل الكلام الموقف / السلوك محملَ الصدق واليقين، والتأشير عليه بالقبول، وبذلك تصبح أوهى الحجج أقواها، وجميل الكلام فعالا نفاذا. واستغلال المقام مهم أي أهمية، فكما تعرف فلكل مقام مقال، ولكل قوم لسان، وروعة الإلقاء سبيل الإقناع، كما أن دقة الإشارة، وروعة العبارة هزازة للنفوس، مقتحمة حصن العقول.

العقل كائن طيع، ليس صارما، كما نتصور، أو كما صور لنا، فهو عضو جميل، يحب الجمال، يصغي لأنين النفس، فيتأثر بها أيَّ التأثر، فقد يرى في بعض الأحايين الحق أبلج واضحا ناصعا، لكن النفس وهواها يمنعانه من الخضوع ويردعانه، فهو بين مطرقة الحق الكامن في مبادئِه وقوانينه الحكمية والتقييمية (وهي بإذن الله وتوفيقه مكتسبة) و سَنْدَان الهوى الآمر بكل مريح، ممتع، سهل، يسير، فبطبعه ميال إلى ما لا مشقة فيه، ولا نصب.

نقطة الانطلاق في التربية والتأديب يجب أن تكون من النفس، والتركيز كل التركيز يجب أن يكون عليها. فهي كما سبق، قطب رحى الجسم، هي المتحكمة فيه، المسيرة له، الدافعة الناهية، الزاجرة الرافضة المحبة الكارهة ... والقبول الحقيقي قبول قلبي، وتهييؤه للقبول حتم لازم لمن أراد الإقناع الحقيقي. وقمة الاقتناع الانطلاق رأسا إلى الفعل.

تزكية النفس والحرص على أدبها وصقلها قبل نعومة الأظافر، وبعدها، أصوب للسير في طريق الرشاد، فإن لم تهذبها التهمها واقعها، ينتزعها منك انتزاعا.

اعلم أن النفس تولد صفحة بيضاء، إن لم تكتب عليها أيها الأب، وأيتها الأم، وأيها المربون ... فإنها سترتمي في أحضان المجتمع لملء الفراغ وتعبئته، فهي لا تحب البَطَالة، فإذا لم تكن أنت أهلا للحفاظ عليها وصيانتها ورعايتها، في الوقت المناسب انتقلت إلى أيدي غيرك -ارتماؤها في أحضان المجتمع بعَجَره وبجره - لتملأ الفراغ.

لما أهمل الناس، معظمهم، تهذيب نفوسهم وأبنائهم أصبحت المدارس تعاني من مشاكل عويصة، تتمثل بالأساس في غياب الرغبة النفسية، لدى أطفالهم. فتجدهم في حجرات الدرس وكأنهم على الجمر قعود، تنتظرون متى يرن الجرس ليتدفقوا ويتحرروا، فذلك كله آيل إلى التربية التي لقنوها، فطغت على نفوسهم وتحكمت في عقولهم.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت