ـ [فهد محمد النميري] ــــــــ [29 - Oct-2008, مساء 02:47] ـ
وجدتُ في صندوق البديهة ورقةً بالية مكتوبٌ فيها:
"لا شك أن شعور الإنسان أنه مُراقب يبعثه على التحفظ في أقواله وأفعاله؛ فإن عرفَ أن المتلصص يبحث عن أدنى هفوة فالمفروض أن التوقي سيزداد؛ فإن تحقّق أن المتلصص مدفوعٌ بحقدٍ ناري وقد استبطنَ تصميمًا على الأذى وكان لديه من القدرة وبسطت اليد ما يمكّنه من فعل ذلك تعاظمت الحاجة إلى التحفظ والاحتراز".
ــــــ
"... إن الهيئة هي مؤسسة دينية رسمية أقامها السلطانُ لحمل الناس على ما تقتضيه أخلاق الإسلام منعًا وأمرًا: أمرًا بالمعروف وكل ما يفضي إليه ونهيًا عن المنكر وما تولّد عنه , لذلك فهي -أي إقامة المؤسسة- من مهام ولي الأمر في نظر الإسلام , وهي تستمدُ شرعيتها من الإسلام نفسِهِ بنصوصه القاطعة وتشريعاته الباتّة فضلًا عن كون هذه الشعيرة الجليلة والشعبة الإيمانية العظيمة قد خُوطبَ بها كل مكلفٍ بقوله صلى الله عليه وسلم:"من رأى من منكم منكرًا فليغيره بيده؛ فإن لم يستطع فبلسانه؛ فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعفُ الإيمان"رواه مسلم وغيره؛ فهي -إذن-تكليفٌ للراعي والرعية كلٌ بحسبه , والقيام بهذه الشعيرة العظيمة هو عنوان خيرية هذه الأمة كما صرّحت به آياتٌ بيناتٌ من كتاب الله سبحانه."
وغنيٌ عن البيان -سيّما في هذا الزمان- أن هذه المؤسسة قد أثخنها القصفُ الليبرالي العنيف وله في أيامنا هذه يدٌ عالية ولسان منبسط ومنابر شتى؛ فمنافذُ تأثيره في اتساع , وهيمنته على عقول وقلوب العامة في ازدياد , وإنكارُ آثار هذه الهجوم مكابرة.
في وقتٍ مضى لم يكن لمزُ الهيئة -في عيون الناس- إلا شعبة نفاقٍ أو فسقٍ؛ بل إن الشاتم يبتلع شتائَمه قبل أن يتقيأها حيث تأخذه الألسنةُ والعيون ولربما الأيدي , وكانت جهود الهيئة تتلقى بالتقدير؛ أما أعراض رجالها فهي في حمى الصون إلى النهاية , وكنا ننظرُ إلى المتسلق إلى تلك الذرى بمثل نظرتنا إلى الضب وهو يتهيؤ للتحليق في الجو نظرةً ملؤها الازدراء , آآآه ... أما اليوم فيتسابق الطغام لنهش أعراض حرّاس الفضائل متحصنين بحوادث أعيت فيها التأويلات ..."."
كانت هذه بعضُ ما أفضت به تأوهات صديقي ونحن نتجاذب أطرافَ الحديث.
لقد بدا الحوار وكأنه تعليقٌ عسكري على معركةٍ حامية الوطيس دارت رحاها منذ قرون بين النبوات وخصومهم"وكذلك جعلنا لكل نبي عدوًا شياطين الإنس والجن"ولكل قومٍ وارث , وهي وراثةٌ اقتضت استمرارَ العداوة والصراع بين الطرفين (أهل الله وخاصته؛ وجحافل الشيطان) , إنه مسلسلٌ متصل تتوالى حلقاته بتوالي الأجيال حتى ينتهي بهم المطاف باقتسام دار الثواب والعقاب"فمنهم شقي وسعيد".
في المسند عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"نعوذ بالله من شياطين الإنس والجن". فقلت: يا رسول الله، وللإنس شياطين؟ قال:"نعم".
أقول: ولو تشاء لأخذتُ بيدك حتى أوقفك عليهم واحدًا واحدًا في الصحف والفضائيات و ... و ... وفي مجلس الشورى السعودي-أيضًا-.
لكني استوضحتُ صاحبي عن ذكره لحوادثَ أعيت فيها التأويلات , ما هي تلك الحوادث التي عجز عنها التأويل مع اتساع إمكاناته؟
فقال -بحزنٍ مشوبٍ بغضب-: ما تواترت به الأخبار وأقرَّت به رئاسةُ الهيئة متذرعةً بإجراء تحقيق! .. ؛ دعك من تهويلات المنافقين وأتباعهم من الجاهلين؛ إنما أقصدُ أصلَ الخبر بوقوع (بعض) رجال الهيئة في أخطاء فادحة وحماقات صارخة؛ هذا عن المتواتر الشائع أما ما نسمعه في مجالسنا الخاصة من وقائع آحادية وأحيانًا مستفيضة خفيت في ظلام المجتمع عن كشّاف الإعلام الباهر وبوقه العملاق , وهذه -أي الأحداث غير المتواترة- لا يسلم منها أحد حتى ممن يُرى عليه أثر الصلاح إلا أننا نبادرُ -مسرعين- بكف عوارم النقد أو المؤاخذة المعنوية مستعينين بسلاح التأويل الذي لا نبوة له إلا أمام ما لا حيلةَ إلى دفعه -والله المستعان- لأن التأويل -حينها- سيستحيل تحريفًا ومغالطة ...
انظر كيف يذوب السلاح بأيدي أصحابه ...
أريد أن أستثير مكنونَ قرائح الأذكياء من طلبة العلم -الأذكياء فقط- عن علّة تلك الجفوة التي تعلو وجوهَ بعض رجال الهيئة ,
-ما هي بواعث هوجِ بعضهم؟
-ما سببُ الغلظة -غير الشرعية- التي لا تخطئها العين؟
(يُتْبَعُ)