فهرس الكتاب

الصفحة 27465 من 28557

ـ [ابن الزبير] ــــــــ [19 - Oct-2010, صباحًا 08:59] ـ

الدعاة إلى الله وأهلية الفتوى

كتبه/ عبد المنعم الشحات

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

قال -صلى الله عليه وسلم- (إِنَّ اللَّهَ لاَ يَنْتَزِعُ الْعِلْمَ مِنَ النَّاسِ انْتِزَاعًا وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعُلَمَاءَ فَيَرْفَعُ الْعِلْمَ مَعَهُمْ وَيُبْقِى فِى النَّاسِ رُءُوسًا جُهَّالًا يُفْتُونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَيَضِلُّونَ وَيُضِلُّونَ) (رواه مسلم) .

وهذه هي قصة فترات الضعف التي مرت بها الأمة عبر تاريخها، يبدأ من انتشار البدع والخرافات واتخاذ الناس للرؤوس الجهال؛ فينشأ من ينشأ من الأجيال الجديدة -حتى المنتسبين إلى العلم فيهم- على ما أخذوه عن أكابرهم، بيد أن الأرض لا تخلو من قائم لله بحجة؛ ومن هنا يبقى الحق موجودًا وتبقى طائفة على الحق ظاهرين كما أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لا يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي أُمَّةٌ قَائِمَةٌ بِأَمْرِ اللَّهِ لا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلا مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ) (متفق عليه) .

وهذه الطائفة لا تزول بفضل الله من الأمة، ولكن صوتها قد يخفت أو يقل أثرها في بعض الأمكنة أو بعض الأزمنة.

وبالطبع فإن القسمة غير ثنائية، بمعنى أنه يوجد من هو على الحق في أبواب، ولكنه ملبس عليه في أخرى، أو ممالئ للشائع بين الناس أو الكبراء من جهة أخرى.

ثم يرسل الله إلى الأمة من يجدد لها دينها كما قال -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ إِلَى هَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) .

وعادة ما تواجه الحركات التجديدية بحرب ضروس تجتر حجة المعاندين في كل زمان ومكان، كما حكي الله عن المشركين قولهم: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ) (الزحرف:23) .

ولذلك كانت قضية الرجوع إلى الحق وعدم معارضته لمخالفته الألف والعادة وميراث الآباء والأجداد إحدى أهم القضايا المحورية في دعوة الرسل ودعوة أتباعهم، فهذا إبراهيم -عليه السلام- يقول لأبيه: (يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا) (مريم:43) .

وعادة ما يدرك المحتجون بذلك ضعف حجتهم، فيضطرون للكذب على الله وينسبون ميراث كبرائهم لدين الله، كما قال تعالى: (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا) والجواب: (قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (الأعراف:28) .

ومن ثم فإن الطبيعي لأي حركة تجديدية في الإسلام أن تخوض حربًا شرسة لإثبات مرجعية الكتاب والسنة، دون تقليد الأسماء الرنانة التي يعظمها الناس ويقبلون ما تقوله من حق ومن باطل.

من أجل ذلك خاض شيخ الإسلام"ابن تيمية"حربا شرسة مع الصوفية، ومع مقلدة المذاهب، ومع الأشاعرة، ومع الفلاسفة والعقلانية.

واستطاع شيخ الإسلام بفضل الله أن يرد سلطان النصوص إليها، بعد أن جعلها المقلدة كالسلطان المخلوع ليس لها إلا الصكة والخطبة على حد وصف تلميذه"ابن القيم".

كما خاض شيخ الإسلام"محمد بن عبد الوهاب"حربًا مماثلة مع مقلدة زمانه الذين كانوا يدافعون عن مظاهر شرك القبور باعتباره موروثا لا يجوز المساس به.

كما خاضت الصحوة الإسلامية المعاصرة معركة مشابهة مع مجتمع ملئ بالموروثات المخالفة للشريعة، منها ما تبنته المؤسسات الدينية في بلاد المسلمين، كإدعاء غلق باب الاجتهاد رغم المستجدات التي تطرأ ليل نهار على الساحة، وكمشاركة العوام في عادتهم الدخيلة على الشرع، بل وإخراجها من البدع المذمومة شرعا كبدع الموالد والمواسم وغيرها، وكتبني المذهب الأشعري الذي تتبناه كثير من المؤسسات الدينية الرسمية، وكتسييس الفتوى في كثير من الأحيان.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت