ـ [أبو عبد الرحمن المغربي] ــــــــ [29 - Jul-2008, مساء 07:59] ـ
مقدمة
يدورُ في العالم الإسلامي اليوم جدال حار حول تكفير"الحاكم"إذا لم يحكم بما أنزل الله سبحانه وتعالى. والناس في ذلك مُنقسمون بين مكفرٍ لأنّ الله سبحانه أطلقَ الكفرَ على من لم يحكم بما أنزل الله، وبين مُمتنعٍ عن التكفير إلاَّ إنْ تحقَّقَ مِن جحود مَن لم يحكم بشرع الله عزّ َو جل، وهؤلاء ينتظرون ــ نوَّر َاللهُ أبصارَهُم، وَوَسَّعَ آفاقهُم، وَرَسَّخَ ورعهم ــ أنْ يُصرَّح الحاكم بالجحود!
ولّما كنّا من أمّةٍ ذَرِّية، أُحادَّية النّظرة، إذا علقت بشيءٍ فإنّها تبقى تلف وتدور حوله مُهمِلة الجوانب الأخرى، التي قد تكون أهم َّوألصق بالمقصد، فقد حصرنا البحث في هذه المسألة الخطيرة في شخص الحاكم، وأهملنا دراستها من الناحية الإنسانية الحقوقية، ومن ناحية واجبات الحاكم المناطة به، والتي يؤدي التقصيرُ بأدائها إلى عَزله، ومن ناحية عدالةِ الحاكم وأهليته لتولي الحكم، حتى لقد أصبحت غاية بعض المسلمين إثباتَ عدم الكفر، فإنْ تم له ذلك ارتاحَّ وتوقف، وكأنَّ القضايا السابقة التي أشرتُ إليها ليست ذات بال، مع أنَّ العلماء بحثوا كثيرًا من هذه المسائل تحت عنوان مُسْقِطات ولاية الخليفة (الحاكم) .
لقد كانت هذه الملاحظة الدافع الأول إلى كتابة هذا البحث.
ثم لاحظتُ أنَّ البحثَ في موضوع الحاكم فقد غايته، فأصبح هو الغاية. من أن َّأصل الموضوع والدافع إليه هو مدى شرعية حكم المُلَتَبِّس بالكفر! وكانت هذه الملاحظةُ الدافع الثاني.
أما الدافع الثالث ــ وهو أهمها ــ فقد لاحظت أنَّ الحوار تَرَكَّزَ بين المسلمين حول مشروعية الخروج على الحكّام، وما يتعلّق بذلك من مسائل، مع إغفال تام لمسألةٍ ينبغي أن تُعالَجَ قبل ذلك وهي مشروعية الحكم القائم، أو مشروعية السلطةِ التي ُيبحث في مشروعية تغيرها!
لم ينل موضوعُ السلطة وعلاقةُ الأُمَّة بها، وحقُّ الأخيرة بتولية الحاكم وعزله ما يستحقه من اهتمام وبحث ونشر. فقد انغلق العلماء على بعض القضايا يُخاطبون بها الأُمة بتكرارٍ مملٍّ. والأبحاثُ التي أُنجزت في هذا الموضوع أبحاثٌ أكاديميَّة بحتة، قُدِّم أغلبها على شكل رسائل علمية، لذلك فهي بعيدة عن متناول مجموع الأمة.
ويبدو لي أنّ التحدث في هذا الموضوع مُكْلِفٌ لذلك فإنَّ الكثيرين قد اجتنبوه، وفي أحسن الحالات بحثوه بحثًا مجردًا عن الواقع. ومن هنا فإن من ألزم الواجبات على طلاب العلم تجلية مسائل هذا الموضوع، خاصة في هذا الزمن الذي عاد فيه الكثيرون إلى ربهم، وصاروا يعملون لعودة الإسلام إلى الحياة.
والحقيقة أنّنا بحاجة ــ في هذا الباب ــ لدراساتٍ تكشف الواقع، وتُنظِّر للتغير، ولكن بتأصيل شرعي، يدور مع الدليل حيث دار. فالكتب التي تتحدَّثُ عن الواقع كثيرة لكن ينقصُ أكثرها التأصيلُ الشرعيُّ، وعلى هذا المنهج حاولت أنْ أُقيم هذه الدراسة.
إنّنا نعيشُ في أزمة .... لا خلاف على ذلك. ولهذه الأزمة عدَّة مظاهر، ليس أهمُها ــ خلافًا لما يتعقد كثيرٌ من الناس ــ سوءَ الحكام، وإنْ كانوا من أبرز مظاهر الأزمة، فأنا لا أُحمِّل الحكومات ــ وحدها ــ تبعة حالنا الأسود، ولكنيِّ أُحمِّل الأمة وزر هذا الوضع البائس، لا لسلامة الأنظمة، بل لأن الأمة هي التي أفرزت هذه الأنظمة، وهي التي رضيت باستعبادها، وكلُّ الذي فعلته الأنظمةُ أنّها وجدت شعوبا ًقابلة للاستعباد فاستعبدتها.
وهذا يعني أنَّ مفاتيح الأزمة في يد الأمَّة، وعلى وجه الخصوص في يد علماء الأمة. والأمة بوعيها تُنهي أزمتها، لكن الأمَّة لا تعرف أَنّها في أزمة، فهي تجهل حقيقة عقيدتها، ومن ثَمَّ تجهل حقوقها، وتجهل بأنها بلا حياة، إذ العبدُ ميت! وتجهل بأنّها بلا انتماء، لأن العبودية تسلب المواطن انتماءه، فهي لذلك بلا وطن!
وتجهل بأنّها بلا كرامة، لأنها مقموعةٌ، مسلوبةُ الإرادة!
إذن، لابُدّ َمن التغيير، ولا تغير دون إصلاح، ولا إصلاح بلا وعي.
فالوعي هو المطلوب، وواجب العلماء بَثُّ الوعي في الأمة. ومن أهمِّ القضايا التي على الأمة أن تعَيها:
الوعي على واقعها
الوعي على دينها
الوعي على ضوابط علاقة ِالأمة بالسلطة.
وهذا ما يهدف إليه الكتاب
(يُتْبَعُ)