.... أقصد من هذا الكتاب وصف الواقع ــ كما هو ــ للمسلم دون تجميل وتهذيب، فأنا يقتلني تزوير الحقائق، وتجميل القبائح.
وأريد لفت الانتباه إلى بعض مبادئ الإسلام في الحكم.
وأقصد تعريف المسلم ــ بعد أنْ يعرف حقَّه في الشريعة لتسهُل المقارنة عليه ــ بأنّه عبد لغير الله تعالى كي يسعى إلى تحرره. فإنّ كون الإنسان عبدًا ــ دون أن يشعر بذلك ــ لا يعني أن يطالب بتحرره، فلابد من إفهامه بأنه عبد، وأن عليه أن يسير باتجاه الحرية الحقيقية.
إنّ بلالًا المسلم لم يختلف عن بلا ل المشرك إلاّ بهذه، بإدراكه بأنه كان عبدا ًلغير الله، وأنّ هذا اغتصاب لحقِّه، وكونه صار مسلما ًيعني أنّه صار حُرًّا حقيقةً.
ولهذا عُذّب، فالذين عذبوه لم يعذبوه لأنّ هُبلًا خسر ساجدًا، بل لأنّ سيِِّدَه خسر عبدًا. وهما قضيتان في المآل تلتقيان، فإنّ رفضك السجودَ للصنم، لا معنى له إلاّ أنك أصبحت حرًَّا من العبودية لغير الله سبحانه.
إنني أطالب في هذا الكتاب بالحياة الأفضل، يعني بالحياة الإسلامية، وأُنادي بأنْ لا مخرج من هذا البلاء الذي نحن فيه إلاّ بإعادة الخلافة:
أُنادي والجراحُ مُسوَّماتٌ ///وهمِّي حول قلبي كالنِّطاق
فإعادة الخلافة هي الطريق لهذه الحياة الكريمة. والخلافة الحقيقية الكاملة هي التي تكون على منهاج النبوة، وقد تحقَّقت هذه الخلافة على أكمل صورها زمن الراشدين رضوان الله عليهم.
حاولت في هذا الكتاب أن أكشف الواقع، فإنّ المعرفة التي لا تكشف الواقع، وإنما تكتفي بتبريره وتزييفه، معرفة لا تصبُّ في مصلحة الجماهير.
ومن أجل ذلك فقد ركّزتُ على الإدراك أكثر من تركيزي على تكثيف المعلومات، لأنّني أكتب ونُصْب عينيَّ حرية المسلم من العبودية لغير الله تعالى، وهذه الحرية لا تُنال إلاّ بتنمية الإدراك.
ثم إنّني أكتب للتغيير، لا لرفوف المكتبات، وشأن هذه الكتابة التركيز على المفاهيم وتكرارها، ولذلك سيجد القارئ تكرارًا لمجموعةٍ من المفاهيم، ولي في منهج القرآن العظيم القائم على تركيز أصول العقيدة من خلال تكرارها الأسوة الحسنة. وهكذا كان رسول الله eمع صحابته رضي الله عنهم، فلقد كان عليه الصلاة والسلام يؤكد على الحقائق والمبادئ فيشربها قلوب أصحابه رضي الله عنهم حتى تجري في عروقهم.
إنّ التغيير الحقيقيَّ يقوم على إجراء تحوُّل حقيقيِّ في الذات:
)إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ( [الرعد:13] ،وهذا لا يتم إلا عن طريق التربية على المفاهيم التي تُنشئ الوعيَ، وتؤدي إلى رفض الباطل، والتربيةُ تقتضي تكرارًا، خاصةً إذا كانت المفاهيمُ ــ كمفاهيم بحثنا ــ مجهولةً أَو منسيةً.
جعلت بحثي هذا ــ إضافة لهذه المقدمة وكلمة لا بُد ّمنها ــ في خمسة فصول:
ذكرت في الفصل الأول مجموعةً من الحقائق العلميِّة والتاريخيَّة المهمَّة.
وتكلمتُ في الفصل الثاني عن المنهج الصحيح في تناول هذا الموضوع.
وشرحتُ في الفصل الثالث حديث عبادة بن الصامت ــ رضي الله عنه ــ.
وفي الفصل الرابع وصفتُ حال الأمّة والحكم في العالم الإسلامي.
وذكرتُ في الفصل الخامس بعضَ المبادئ من النظام السياسيِّ الإسلاميِّ.
هذا
وإنّي على يقين بأنَّ ما في هذا البحث من الطرح المباشر، والصراحة في الأسلوب ــ خاصة في فصل واقع الأمة ــ سينجم عنه ردود أفعال سلبية من بعض من تمرَّس بدور طبيب التخدير، و بالتربيت على الأكتاف ليوهم أنّ كلَّ شيء على ما يرام.
إنّ في هذا البحث من نقد لا يُشَكِّلُ غير نسبةٍ ضئيلةٍ من النقد الذي نحتاج إليه، فنحن نفتقر لأطنان من النقد في مقابل هذا الشَّلل العام، وتزوير الحقائق المتفشي.
وما كتبته لا يزيد عما تظهره المرآة حين ينطبع عليه الواقع كما هو، فلن أستطيع إذن إلاّ أنْ أكتب الذي كتبت، لأنّه مرآةُ هذا الواقع، فليتغير الواقع كيما تعطي المرآةُ صورةً أُخرى.
ولا شكَّ في أنَّ الكتابة في هذا الموضوع شائكةٌ مُكَلِفة، لكنّه الميثاقُ الذي أخذه اللهُ سبحانه على أَهل العلمِ وطلابه) لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ ( [آل عمران:187] فماذا نفعل بهذا الميثاق؟
إنّما الصعبُ أن تُكبِّر و الأصـ ــــنامُ تُرْعَى وأمرُها مأتيُّ
(يُتْبَعُ)