فهرس الكتاب

الصفحة 23296 من 28557

ـ [التوحيدي الجزائري] ــــــــ [28 - Feb-2010, صباحًا 12:28] ـ

إن العلم بأصول التعامل مع أهل الافتراق عن منهج صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرورةٌ يفرضها وجود هذه الفرق ويحتمها ما يترتب على أسماء الدين وأحكامه من حقوق وواجبات شرعية يأثم المرء بتعطيلها فضلًا عما يصيبه من ضنك العيش بالتفريط فيها.

ولئن كان الحال كذلك في أوقات الأمن والاستقرار فإنه في حال الفتنة والمحنة آكد، ويدرك هذه الأهمية من أدرك معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا أو يمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا يبيع دينه بعرض من الدنيا) [صحيح مسلم] وإنما ذلك لعِظم الفتن، وتأمل أمرًا لطيفًا في هذا الحديث وهو شك الراوي في قوله [أو] وكأن معنى الحديث قد أذهله بالفعل لما فيه من عظيم الخطر، فتأمل.

إن قضية التعامل مع أهل البدع تفرض نفسها اليوم في واقعٍ من الفتنة التي يمكن تصويرها من خلال سياقين مؤلمين تعيشهما أمتنا الإسلامية؛ فأما السياق الأول فهو استباحة بيضة بلاد الإسلام استباحةً علنيةً لا لَبس فيها وضابط ذلك وجود الكافر الحربي في ديار الإسلام وجودًا علنيًا سافرًا، وأما الثاني فهو استشعار بلدٍ أو مجتمعٍ مسلم تربُص الكافر الحربي به للانقضاض عليه واستباحة أراضيه وأمواله ودمائه وأعراضه، والمصيبة المشتركة بين السياقين في واقعنا المعاصر تتمثل في غياب الإمامة الشرعية الصحيحة عن الساحة السياسية للأمة.

تلك الإمامة التي يناط بها عادةً المرابطة على ثغر الأمة العقدي من جهة وحماية كيان الأمة السياسي من جهة أخرى، مما يفرز تساؤلات عديدة حول الأولويات والحاجات المفتقر إليها لتحقيق أمن العقيدة ووحدة الصف السياسي للأمة حيث إن نفس هذا الكيان الحسي للمجتمع أو البلد أصبح مهددًا بالخطر في هذين السياقين. وأعتقد أن خارطة الأمة الإسلامية من الوضوح بمكان من جهة تحقق هذه السياقات على أرض الواقع بحيث إني سأعمم القول قدر المستطاع ليُتمكن تنزيله على ما يستجد من وقائع مماثلة وحتى لا نحصر تنزيل أصول وقواعد هذا المنهج في جزئيات ميدانية قابلة للتبدل فيقع الوهم واللبس.

إذا عُلم هذا فلا بد لنا قبل الخوض في غمار هذا الموضوع الخطير من أن نقرر جملةً من الثوابت المتعلقة بالموضوع وإن بدا بعضها بدهيًا، فالغرض هنا تقريرها حتى نتحاكم إليها فيما يفرضه الواقع من متغيرات وجزئيات متبدلة فتكون عونًا لنا على الاستنارة حيث تدلهم الخطوب، فربِّ يسِّر وأعن:

القاعدة الأولى:

إن الافتراق أمر ثابت في هذه الأمة لا يجدي جحوده ولا يقلل من خطره إنكاره: والدليل على ذلك قوله تعالى في القرآن الكريم: {ومن يشاقق الرسولَ من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نولِّه ما تولى ونُصلِه جهنم وساءت مصيرًا} [النساء- 115] ، فهذا أصلٌ في الافتراق المنهجي العلمي، وقوله تعالى: {والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قومٍ بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير} [الأنفال 72] ، فهذا أصل في وقوع المفارقة الحسية ابتداءً، وقوله تعالى: {فإن بغت إحداهما علىالأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله} [الحجرات-9] ، فهذا أصل في وقوع المفارقة بعد وجود

الاجتماع فهو افتراق طارئ.

فاتفق لنا ثلاث صور من المفارقة هي:

المفارقة المنهجية: وضابطها الاجتماع المنهجي على أصلٍ بدعي مخالف لمنهج الصحابة رضوان الله تعالى عليهم.

والمفارقة الحسية الأصلية: بترك اللحوق بالجماعة ابتداءً وضابطها التخلف عن الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام مع القدرة عليها.

والمفارقة الحسية الطارئة: وضابطها البغي على إمام مستقر بتأويل أو شبهة.

وقد يجتمع الافتراق المنهجي والحسي فتصبح للفرقة المجتمعة على أصل بدعيٍ أو أكثر شوكة تهدد الأمنين العلمي والسياسي لجماعة المسلمين.

وكل هذه الصور موجودة اليوم على مدى الخارطة الإسلامية نسأل الله السلامة والعافية.

القاعدة الثانية:

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت