فهرس الكتاب

الصفحة 6029 من 28557

ـ [د محمد السعيدي] ــــــــ [08 - Mar-2008, صباحًا 12:27] ـ

بسم الله الرحمن الرحيم

قبل عشرين عاما تقريبا ألف سلمان رشدي كتابه سئ الصيت بلغة إنجليزية صعبة مكتوبة لطبقة عالية من المثقفين ولم تكن تلك الرواية من حيث لغتها أو كاتبها أو ناشرها أو موضوعها مؤهلة لأكثر من أن تكون إنتاجا أدبيا موجها لطبقة عليا من قراء الإنجليزية.

لكن المفاجئة أن تلك الرواية صارت أكثر الكتب مبيعا وترجمة وتداولا عبر وسائل الإعلام في أوربا وخارجها.

ولم يكن ذلك ليكون لولا موجة الاحتجاج العارمة التي تلت نشر هذا الكتاب داخل العالم الإسلامي وخارجه ونال المؤلف من الشهرة والثراء فوق ما كانت تسول له نفسه , ولم تفلح الضوضاء التي قام بها المسلمون بصنع شئ بقدر ما أفلحت الأيام التي تكفلت بأن ينسى الكتاب ومؤلفه وثره.

ليس هذا وحسب بل إن الأيام أنستنا أيضا ما كان ينبغي أن نستفيده من تجربتنا تلك , وجدد التاريخ نفسه وعاد الحدث وعدنا كما كنا وكأن التجارب لم تعلمنا شيئا.

عاد الحدث في هيئة روم مسيئة في مجلة مغمورة ومن رسام مغمور وفي بلد من أقل بلدان أوربا ظهورا وأثرا في السياسة الأوربية فضلا عن الدولية.

وعادت الضوضاء ثم انتهت فجأة بعد أن أثرى الرسام والصحيفة.

وجاء البابا الجديد وكأنه أراد أن يحقق لنفسه مكانة في قلوب قومه لا يمكن اكتسابها حتى يحدث من حوله ضجيجا وليس أقدر على صنع هذا الضجيج له من المسلمين الذين قد جربهم وخبرهم , فقرقع لنا بشنانه وانساق العالم الإسلامي مساهمين في نشر محاضرته التي ما كان لها أن تنتشر داعمين له في استخقاق لقب حامي حمى النصرانية والذاب عن قيم الحضارة الأوربية.

وكأن الدانمرك قد غاضها أن تنتهي أزمة الرسوم فجأة دون أن تنال ما كانت تطمح إليه من وراء نشرها ,وقد بقي للمجلة والرسام مطامع من الشهرة وحقوق النشر لم يصلا إليها بعد , فأعيدت الكرة وأعدنا أيضا ردة الفعل نفسها ,و كأن ضوضاءنا أدت ما أردناه منها, فمنعت بريطانيا كتاب رشدي وعاقبت مؤلفه , ورضخت الدانمرك, واعتذر بابا الفاتيكان.

لماذا لا نعتبر؟

الذي يبدو لي أننا لا نعتبر, لأن الجماهير لم نعد تسير وراء مفكريها , بل أصبح المفكرون يتمارون في اتباع الجماهير فيما تذهب إليه إرضاء لها وكسبا لمحبتها بدلا من أن ينهضوا بواجبهم القيادي للفكر فيقوموا بالحق ويوجهوا الجماهير لا أن يتوجوا معها.

ولو نهض المفكرون في هذه الأزمة بواجبهم لما كانت تجاربنا السابقة بعيدة عن أذهانهم ولم تقع الجماهير فيما وقعت فيه مما انتهى بالأمور إلى أن تساهم الأمة في إشاعة شتم الرسول صلى الله عليه وسلم وهي عاجزة عن فعل شي غير الضوضاء.

إن الذي كان ينبغي على مفكري الأمة في هذه الأزمة الأخيرة هو السير بها إلى حيث قادتهم بصيرتهم بالتجارب , ولا أشك أن العاقل يدرك ما يفعله الضجيج من إشاعة مثل هذا الهراء وجعله محلا لفضول الناس جميعا المؤيد والمعارض , وأن ترك السفهاء هو خير وسيلة لإسكاتهم.

ولنفرض أنهم لم يسكتوا: هل نخشى نحن مما يقولون؟

الجواب في تقديري: نعم نحن نخشى ما يقولون , نخشى أن يصدق الناس تلك الأكاذيب على نبينا صلى الله عليه وسلم ذلك النبي الذي كنا نحن أول من أساء إلى دعوته حين لم نبلغها للناس كما ينبغي , ولم ننشر سيرته العطرة كما نحب أن يعرفها العالم بجميع لغاتهم ولو بالقدر الذي نشر به الأوربيون مسرحية فولتير أو خزعبلات سلمان رشدي عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم التي نشرت بجميع لغات أوربا فيما لم تقم دار نشر إسلامية بتبني نشر السيرة بجميع تلك اللغات.

نعم: نحن نخشى ما يقولون لأننا لم نحقق تكذيب تلك الخرافات في أنفسنا , فمن يقرأ تلك الأساطير وينظر إلى المسلمين على أنهم أتباع ذلك الرجل وممثلوا دعوته لا يجد إلا قرائن يصدق بها ما يقال لاسيما وهو ينظر إلى المسلمين في عالمهم وفي أوربا نظرة عامة يؤخذ بها محسنهم بذنب مسيئهم.

ولنتصور حال تلك الرسوم لو نشرت ومكتبات أوربا مليئة بترجمات متنوعة لسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وتعريفات مختصرة بمواقف الإسلام من مشكلات العصر بتلك اللغات نفسها , والجالية المسلمة هناك تحمل في عمومها هم الدعوة إلى الله تعالى وتمثل الإسلام فيما دعى إليه من أخلاق ومحبة.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت