ـ [محمد الحجي] ــــــــ [31 - Oct-2008, مساء 02:55] ـ
الحمدلله وحده والصلاة على من لا نبي بعده:
هجوم من الغرب على النظام الاقتصادي
القائم على الديون والفوائد
محمد يوسف عدس
لم أشعر برغبة ملحّة في لقاء مؤلف كتاب قرأته كما شعرت بالنسبة لمؤلف كتاب في الاقتصاد أثار فضولي بقدر ما أثار إعجابي بفكرة ومنطقه وجرأته، ولهذا الشعور قصة لا تخلو من فائدة ...
فقد تبين لي منذ فترة - وقد تجاوزت سن الخامسة والستين - أن ثقافتي ما تزال منقوصة في جانبها الاقتصادي، وأن ما أعرفه في هذا المجال ليس كافيًا لفهم الكثير مما يجري من حولنا من أحداث اقتصادية، كما تبين لي أيضًا أن البيانات الرسمية المتعلقة بالمال والاقتصاد يغلب عليها الطابع السياسي، وفيها كثير من التلفيق والكذب، والهدف - فيما يبدو - تحسين الصورة الرديئة وإلهاء الناس بآمال كاذبة عن الانفراج والرخاء القادم، ولأن الناس لا يملكون الوسيلة لمراجعة هذه البيانات على الواقع أو نقدها فإنهم يتلقونها باستسلام أو على مضض وينتظرون ما يأتي به الغد، ونادرًا ما يأتي الغد بشيء أفضل ... !
وإذا كان هذا يحدث عندنا كل يوم فإنه يحدث في بلاد أخرى أحيانًا، ولكنه يتعرض هناك للنقد والهجوم والمساءلة، وقد يفقد المسئول وظيفته بتهمة الكذب على الشعب أو على ممثلي الشعب في المجالس النيابية (المحترمة) ، وأعرف من خبرتي الشخصية أن وزير المالية في أستراليا عرّض حكومته وحزبه للسقوط في الانتخابات بسبب شيء من هذا، وأعرف وزير مالية آخر في بريطانيا استقال بسبب مماثل، أما في بلادنا المستقرة أبدًا كالطود الشامخ فلا أحد من النخبة الحاكمة يسقط أو يستقيل خجلًا من الكذب على الشعوب .. ولا أحد يُحاسب حتى على الجرائم التى يرتكبها مهما بلغت بشاعتها .. وما قضية العبّارة المُغرقة والشهود المخطوفين وآلاف الأرواح المزهقة والباحثين عن العدل المُغيّب والحقيقة المُهدرة .. هذه القضية ليست إلا نموذجا واحدا لنمط سائد في مجتمع مقهور .. ورمزا يدمغ عصرا كئيبا لمنظومة من السلطة .. ستذهب مثلا في التاريخ على الاستبداد والفساد واستباحة حقوق العباد وكرامتهم وإنسانيتهم ...
من ناحية أخرى تزايد شعوري بعدم الثقة في كثير مما يقوله المفكرون والمنظّرون الاقتصاديون، فقد لاحظت في كلامهم وتوقعاتهم تناقضات .. كما لاحظت أن المنظومات الاقتصادية لا تسير وفق مقولاتهم أو توقعاتهم، ومن ثم راودتني رغبة قوية في الاطلاع على أحدث ما نُشر من كتب في الاقتصاد، ولما كنت في لندن ولديّ متّسع من الوقت للقراءة طلبت من ابني وهو محاضر في الجامعة أن يختار لي مجموعة من كتب الاقتصاد .. فجاءني بسبع كتب من أهم ما ظهر من مؤلفات لكُتّاب بارزين .. تصفحتها جميعًا وقرأت منها موضوعات معينة على سبيل الاختبار فلم يستوقف نظري فيها شيء جديد، إلا كتاب واحد أثار شهيتي للقراءة بقدر ما أثارت أفكاره إعجابي إلى حد الذهول، فمؤلف هذا الكتاب يتحدث عن الاقتصاد بلغة جديدة ويتحدى كل المقولات والمسلمات الاقتصادية الشائعة، ويكشف عما فيها من زيف وادعاء، ويقتحم كل مقدسات الفكر الاقتصادي السائد بمنطق قوي جرئ .. وبتحليلات نافذة ويصل إلى نتائج لا تخطر على بال أحد ..
عنوان الكتاب مثير في حد ذاته إنه (قبضة الموت: دراسة للنقود الحديثة .. عبودية الديون واقتصاد مُدمّر) .. أما مؤلف الكتاب الذي اشتقت إلى لقائه ومناقشته فهو (مايكل روبثام) .. اقترحتُ على الجامعة دعوته لإلقاء محاضرة حول أفكاره ومؤلفاته، وتكون مناسبة للطلاب والأساتذة لمناقشته .. وقد تولّى ابني دعوة المؤلف فاستجاب .. كنا في شهر رمضان وكان موعد المحاضرة قبل الإفطار بثلاث ساعات .. قضيناها بين استماع ومناقشات، ومتعة فكرية تجلّت فيها قدرة المحاضر على التحليل والإقناع وقوة المنطق .. فلما انتهت المحاضرة دعوناه للإفطار معنا ليشهد بعض تقاليد الأسرة المسلمة في هذا الشهر الكريم .. فرحب (روبثام) بالدعوة واعتبرها فرصة تستحق الاهتمام ...
(يُتْبَعُ)