ـ [أبو علي السلطان] ــــــــ [18 - Aug-2010, مساء 07:55] ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
كنت مغرب اليوم أقلب صفحات الفيس بوك، فإذا بالجدل على أشده حول موت الوزير الراحل د. غازي القصيبي.
فالبعض يمجد أيامه والآخر يتهمها بتهم عديدة .. وبينهما من يتحرى التوسط في ذلك .. والكل يأتي بما يعزز مذهبه.
أما أنا فأقرأ هذا الجدل المشتعل، وتجول في ذهني عدد من الأفكار والتحليلات، وأقول إلى متى ونحن كلما رحل منا من امتلأت كتاباته شغبًا على ثوابتنا وقيمنا وأخلاقنا انتدب أقوامُ أنفسهم وأموالهم للدفاع والمجادلة عنه وتكلف التأويلات والتحليلات والتحسينات، وينقبون في مفردات تراثه عما يتناغم مع بعض الملمَّعات الإعلامية، ففي هذه الكلمة تجلت روحه الأبية، وفي هذه العبارة نرى صراعه المستديم من أجل الحريات والتحرر من ربقة التبعية، وفي هذه القطعة ما أجمل إيمانياته روحانية وتصوفه الداخلي، ينساق مع هذا كله إصرار على التعامي عن المشاريع الهدمية - التي يتبنونها ويمولونها - لكل ما هو قيمي وثابت.
كنت وأنا أرى هذا السجالات أنزعج كثيرًا من هذا التعامي الواضح من قبل محامي ما بعد الممات عن تلق المحطات البارزة والأكبر في مسيرة الراحل، فهم يعيشون مأتمًا ذهنيًا يحاول إنزال الرحمات الشعبية على تراث الراحل وجثمانه ..
في الحقيقة بلغ بي التوتر مبلغًا في هذه (المغربية) الغريبة، حتى جاء وقت صلاة العشاء، عندها خرجت مسرعًا نحو أجمل الأوتار البشرية في مدينة الرياض وهو الشيخ القارئ ياسر الدوسري وفقه الله ..
دخلت معه صلاة التراويح بصوته التغريدي الجميل لتحلق بي الروحانيات الساحرة والمقامات الرفيعة، قراءته الجميلة جعلتني أهدئ كثيرًا وأتخفف من هموم تلكم التراهات الكلامية والجلسات القضائية الظالمة ..
وبينما أنا في هذا الانسجام الرائع والروحانية الرمضانية .. إذ طرقت مسامعي آية بليغة، كانت كالصاعقة في معناها وفي تعبيرها وفي دلالتها، وكأنها جاءت لتخاطبنا في هذا الحدث الصاخب، وتنادي كل من في هذا الحدث بسؤال عقلي منطقي دقيييق، لتصل بنا إلى أن ما نقوم به من جدل مستميت لا أثر له البتة، لأنه لم يقع في محل مغير، ولا في ميعاد مؤثر، بل هو جدال متأخر فات أوانه، جاءت هذه الآية لتسأل كل من نافح وحامى عن أهل الباطل والظلال فتقول:
{ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا} [النساء: 109]
نعم .. من يجادل الله عن تلك المشاريع الهدمية .. ومن يجادله عن تلك المقطوعات الشهوانية .. من يجادله عن تلك المؤامرات التغريبية .. من يجادله عن تلك الانتهاكات العقدية .. من يجادله عن تلك الأفكار الإفسادية .. من يجادله عن تلك الحرب الخداعية التخييلية؟ ..
بدأت أتعجب وأتساءل هل يملك هؤلاء الجرأة ليجادلوا الله عنهم يوم القيامة .. قطعًا لا يمكن ذلك .. فذلك اليوم معلومة أهواله وأحواله .. فلا يمكن ذلك أبدًا .. إذا فهل مجادلتهم ستفيد ذلكم الراحل، وهل ما أضافوه على أفكاره من تحسينات معنوية وظنية ستغير مما أملاه عقل الراحل وسطره قلمه من شيء؟!!
بالطبع لا يمكن ذلك .. فهو بعد مماته يتعامل مع من يعلم بواطن الأمور وظواهرها .. إذن هذا كله لا يفيد شيئا لذلكم الراحل .. فلم العناء!! فنكون كما وصف الحبيب r منبتين لا أرضًا قطعنا ولا ظهرًا أبقينا ..
يقول العلامة ابن سعدي حول ذلك:
"هبكم جادلتم عنهم في هذه الحياة الدنيا، ودفع عنهم جدالكم بعض ما تحذرون من العار والفضيحة عند الخلق، فماذا يغني عنهم وينفعهم؟ ومن يجادل الله عنهم يوم القيامة حين تتوجه عليهم الحجة، وتشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون؟ {يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين} " [205] .
تنبهت من هذا السبات التأملي العميق في هذه الآية، فإذا بالقارئ يتلوا قوله تعالى:
{لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما} [النساء: 114]
(يُتْبَعُ)