ـ [ابن الزبير] ــــــــ [22 - Dec-2010, مساء 07:38] ـ
إماطة الأذى عن الرؤوس
كتبه/ عبد المنعم الشحات
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،
كم من المخالفات التي يرتكبها المسلمون في ليلة رأس السنة الميلادية!!
وكم من التصرفات التي لا تليق بعاقل فضلًا عن مسلم!!
ولنبدأ بآخرها وأهونها -وليس بهيِّن عند الله-.
تمشي في طرقات المسلمين صبيحة تلك الليلة لترى العجب العجاب، تجد قِطعًا من الزجاج والفخار والخزف، وقد تناثرت شظاياها في وسط الطريق مهدِدة المشاة والسيارات على حد سواء، وتعجب من تكاسل كافة الخلق عن إماطة هذا الأذى عن الطريق، صحيحٌ أن إماطة الأذى عن الطريق هو أدنى شعب الإيمان كما قال -صلى الله عليه وسلم-: (الإيمان بضع وسبعون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق) متفق عليه، ولكن يكفيها شرفًا أنها من جملة شعب الإيمان.
ثم إن هذه الشعبة من شعب الإيمان قد غَدت عند كثير من أهل زماننا المنبهرين بحضارة الغرب من أعظم شعب الإيمان، إلى الدرجة التي دفعت الكثيرين منهم إلى أن يقولوا:"إن في الغرب إسلام بلا مسلمين"، يعنون بالإسلام الذي عند الغرب نظافة الطرق ونظامها، وإلا ففي أجوافهم نجاسة الخمر، وفي قلوبهم نجاسة الشرك، فلماذا يُقصِّر الناس إذن في شعبة من شعب الإيمان رغم أنهم من الناحية النظرية يغالون فيها ويعظمون من شأنها فوق ما هو أعظم منها من شعب الإيمان كالتوحيد ونفي الشرك؟
وإن تعجب من حال هؤلاء المتكاسلين عن إماطة الأذى عن الطريق، فالعجب كل العجب ممن ألقى بهذا الأذى في طريق الناس عن عمد!
وإذا كانت إماطة الأذى عن الطريق من جملة الأمور المطلوب فعلها، فإن وضع الأذى في طريق الناس من أعظم المناهي الشرعية، والتي جاء لعن من وقع فيها، وفي الحديث (اتقوا اللاعنين. قالوا: وما اللاعنان يا رسول الله؟ قال: الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم) رواه مسلم، وهذا الزجر الشديد لمن يفسد على الناس طريق سيرهم، أو مواطن استظلالهم، وإن كانوا بصحراء، فكيف بمن يضع الأذى في الطرق المؤهلة العامرة؟ ويا ليته كان"وضعًا"، ولكنه الإلقاء من الأبنية العالية الشاهقة، وربما صادف بعض المشاة أو بعض السيارات، ومن لم يأخذ حذره تنهال هذه القذائف على رأسه قبل أن تهوي إلى الطريق.
مما يعني أن الكلام على إماطة الأذى عن الطريق يعد رفاهية إذا ما علمنا أننا بحاجة إلى إماطة الأذى عن الرؤوس -أعني رؤوس المارة-، ولكن هذا لا يتأتَّى إلا بإماطة الأذى من رؤوس الرامين، فلابد من جولة داخل هذه الرؤوس لمعرفة ما الذي دهاها لكي تقدم على تلك الأفعال الشنيعة؟
فإذا سألتهم فسوف تجد عجبًا، إن القوم يفعلون ما يفعلون تفاؤلًا بأنهم بذلك يودعون شرور سنة ماضية بكسر الأواني، وإن كان ذلك فوق رؤوس الخلق، وأنهم يعتقدون أن من لن يفعل ذلك سوف تبقى معه شرور السنة الماضية.
وهذا هو التطير الذي أقل أحواله أن يكون شركًا أصغر، والذي بيَّن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه من الشرك فقال: (الطيرة شرك، الطيرة شرك) رواه أبو داود والترمذي وصححه الألباني، وقال -تعالى-: (فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) (لأعراف: 131) ، أي أن ما يأتيهم من الحسنات أو السيئات إنما هو من قضاء الله وقدره، وبالتالي فقد جاءت السُنَّة بخير عوض للمسلم عن طيرة الجاهلية، وهو أن يقول المسلم: (اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك) رواه أحمد وصححه الألباني.
فالإسلام يربِّي المسلم على أن يتوكل في أموره كلها على الله -تعالى- ثم بعد ذلك يأتي دور الأخذ بالأسباب الظاهرة الواضحة التي يدرك أهل الدنيا وجه العلاقة بينها وبين نتائجها، وهذا الجمع بين الأسباب الباطنة والظاهرة قد تعرض لهجمة غربية علمانية، تريد من الناس جميعًا -ومن المسلمين خصوصًا- أن يتراجعوا عما أسموه بـ"الفكر الغيبي"، وأن يكفوا عن إنزال حاجاتهم ورفع دعواتهم لله -عز وجل-.
(يُتْبَعُ)