ـ [أبو عبدالله العنزي] ــــــــ [04 - Mar-2010, صباحًا 01:11] ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله وليِّ الصالحينَ، ولا عدوانَ إلا على الظالمينَ، والصلاةُ والسلامُ على من أرسله ربُّه رحمةً للعالمينَ، وعلى آله وصحبه أجمعينَ، أما بعدُ ...
فَمِنْ سُننِ الله أنْ كانَ الحقُّ والباطلُ في صراعٍ مستمرٍ منذُ فجرِ الإنسانيةِ الأولى، يكونُ فيه للباطلِ أعوانٌ منَ الملأ، كما يكونُ للحقِّ أنصارٌ مِنَ الأولياءِ، بهم تُخْمَدُ نِيرانُ الباطلِ وتُقْطَعُ جَهيزَتُه، ومعهم نورُ الهدى وبهم تقوم شَوْكَتُه، فللَّهِ حياتهم وللهِ مماتهم، اختصَّهم الله بخاصةِ العلمِ فجعلهم صوت حَقٍّ ومنابرَ هُدَى.
ولا شكَّ أنَّ المسلمينَ يعيشون اليوم في حالةٍ مِنَ الضَّعْفِ والهوانِ لا تخفى على مَنْ له أدْنى بصيرةٍ، حتى عَظُمَ البلاءُ فأصبحنا نُخَرِّبُ بيوتَنا بأيدِينا وأيدي أعدائِنا، وإنَّ مِنْ أعظمِ ما تعانيه أمَّةٌ مِنَ الأممِ هو أنْ تُبْقَرَ في خاصِرَتِهَا، وَتُنْخَرَ في سَاقِها التي تقومُ عليها، فتُدَمِّرُ أخلاقَها التي تمثلُ حصانةً للمجتمعِ مِنَ الرذيلةِ والتَّفكُّكِ والانحلالِ، حتى تغدوَ أمَّةً هشَّةً مُتناثِرةً مِنْ داخلها يسهلُ على أعدائها افتراسُها وتمزيقُها.
لقد ابْتُلِينَا - والله المستعانُ - بِثُلَّةٍ مِنَ المنافقينَ هَمُّهُمُ التَّضْلِيلُ، ودَيْدَنُهُمُ التَّلْبِيسُ على الناسِ، ولَيْتَهُمْ - إِذْ لم يُسَارِعُوا إلى الخيراتِ - امْتَنَعُوا عَنْ تأْجِيجِ الفتنةِ ونشرِ الرذيلةِ، ومنها استغلالُ المرأةِ بإِيقَاعِهَا في دركاتِ الاختلاطِ بالرِّجَالِ الأجانبِ، فيُجَرِّدُونَهَا مِنَ الحياءِ والعِفَّةِ، ويجعلونها للناسِ فتنةً، أولئكَ أربابُ القنواتِ الفضائيَّةِ والصُّحُفِ غيرِ النَّقِيَّةِ التي قَضَتْ على الحياءِ أوْ كادتْ، واستعْبَدَتِ الناسَ بشَاشَاتِهَا وما تَوَانَتْ، فَتَنَتِ النَّاسَ في أنفسِهم وأُسَرِهم وبُيُوتهم، وأيُّ فِتْنَةٍ أعظمُ مِنْ أنْ يُفْتَنَ المرءُ في عُقْرِ دارِه ويُحَارَبُ في نفسِه وأهلِه وولدِه! لم يراعوا في هذا إلاًّ ولا ذِمَّةً، ولمْ يَقُمْ في قلوبهم خوفٌ مِنَ اللهِ فَيُوقِظُ غفْلَتَهم، أوْ حياءٌ مِنَ الخلقِ فَيَكُفُّوا عَنِ المسلمينَ أذيَّتَهُمْ وَشَرَّهُمْ.
اسْتَغَلُّوا المرأةَ فجرَّدُوها مِنَ الحياءِ والعِفَّةِ، وعَرَضُوهَا فِتْنَةً للنَّاسِ تُبْدِي لهم مفاتِنَها وتَدْعُوهُمْ للافتِتَانِ بها، وَأَرَوْهُمُ الكأْسَ مُبَهْرَجًا فأَغَرَوْا الغرَّ بِشُرْبِهِ، وبَهْرَجُوا لهم طريقَ الجريمةِ والاعتداءِ على النفسِ والعِرْضِ والمالِ؛ فَعَظُمَ شرُّهُمْ واسْتَطَارَ شَرَرُهُمْ.
لقدْ أصبحَ مِنَ الهوانِ الذي تعيشُه نفوسُ أولئكَ أنْ مَجَّدُوا لهم بعضَ الْمُجَّانِ لِيَفْتَتِنَ بهم شبابُ المسلمين وفتياتُهم، فصنعُوا لهم نجومًا مُظْلِمَةً مُتَفَسِّخَةً تُنَادِي بالويْلِ والثُّبُورِ؛ حتى تسمَّوْا بأسمائِهم ولَبِسُوا لباسَهم وتشبَّهُوا بأخلاقِهم، وطافُوا ديارَهم وبكوْا فِرَاقَهم، و (مَنْ يَهُنْ يَسْهُلُ الْهَوَانُ عَلَيْهِ) .
وإِنِّي حالفٌ بالله إنهم في كَدَرٍ من عيشِهم، وإنْ هَمْلَجَتْ بهم صَوْلَجَانَاتُهُمْ، فكمْ لشَاشَاتِهِم مِنْ صرِيعٍ في هواه! وكم لِقَنَواتِهم منْ مَفْتُونٍ في دِينهِ! فأيُّ حياةٍ يعيشونها وأيُّ نَعِيمٍ يتلذَّذُونَ به؟ وهُم يُعادُون اللهَ بما يُغْوُونَ به عبادَه ويُؤْذُونَ به أوليَاءَه.
وإنِّي سائِلٌ عُقَلاءَ قَوْمِي أنْ يَتَفَقَدُوا أخْلاقَ بُيُوتِهم ومجتمعاتِهم، وكيفَ ذهبتِ الرَّحْمةُ مِنْ بيننا فأصبحْنَا بَدَلَ الجسدِ الواحدِ أجسادًا مُتَفَرِّقَةً، وبدل القلبِ النابضِ قلوبًا مَيْتَةً، فَقَسَتِ القلوبُ وتنافرَتْ، وضَعُفَ الوازِعُ الأخلاقِيُّ عندَ شبابنا وبناتِنا إلا مَنْ رَحِمَ اللهُ، وإنَّنَا مع هذا لنخْشَى أنْ نُؤْخَذَ بجريرَةِ أولئكَ مالم يؤخذْ على أيدِيهم ممنْ ولاهُمُ الله الأمرَ، فإنَّ ما نَشْهَدُهُ مما لم نَرَهُ في سنينَ خلتْ مِنْ تتابُعِ الزَّلازِل وامتناعِ القَطْرِ وغلاءِ الأسْعَارِ وقَسْوةِ القلُوبِ وتنافُرِها لَمُؤْذِنٌ بما
(يُتْبَعُ)