ـ [ابن غنّام] ــــــــ [03 - Aug-2010, مساء 09:24] ـ
الدعوة الإصلاحية ... القَبُول والبُهتان
الشيخ/ د. عبدالعزيز آل عبداللطيف
ما دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - إلا امتدادٌ لمذهب أهل السُّنة والجماعة، بل هي امتداد لِمَا كان عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصحبُه الكرام، رضي الله عنهم؛ فمن أصول هذه الدعوة الإصلاحية: الدعوة إلى عبادة الله - تعالى - وحدَه لا شريك له، ولزوم الرسول - صلى الله عليه وسلم - واتِّبَاعُه في أقواله وأفعاله وتقريراته؛ فالذين يدعون إلى الله - تعالى - مخلصين له الدين يتحقق لهم النفع والدوام؛ إذ كل عمل لا يُبتَغَى به وجه الله يزول ويضمحِل. قال - تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلاَّ وَجْهَهُ} . [القصص: 88] .
كما أن الذين يتَّبعون الرسول - صلى الله عليه وسلم - يحصل لهم تمام الاهتداء والتوفيق، كما قال - عز وجل: {وَإن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا} . [النور: 45]
إن هذا التوحيد الخالص الذي حققته هذه الدعوة السلفية عبر مؤلَّفاتها ورسائلها ومواقفها، أورث جزيرة العرب أمنًا وطمأنينة، واهتداءً وبصيرة في الدنيا والآخرة؛ فالناظر إلى حال الجزيرة - ونَجْدٍ على سبيل الخصوص - قبل الدعوة لا تقع عينه إلاَّ على انحرافات دينية، وفقر حضاري، وتدهور أمني، ونزاعات سياسية، ونقص في المعايش والأرزاق؛ فلما ظهرت هذه الدعوة المباركة أعقبَ ذلك صلاحُ الدين، واستقامة الأحوال، واستقرار الأوطان، ورَغَد العيش، وازدهارٌ حضاري. قال - تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} [الأنعام: 28] .
أفيقال بعد ذلك: إن هذه «الوهابية خطر على الإسلام والعالم» [1] ، وإنها تهدِّد الأمن والسلام ... سبحانك هذا بهتان عظيم!
إن هذه الدعوة المباركة قد مضى على ظهورها قرابةُ ثلاثة قرون، وقد عمَّ خيرها وظهر أثرها في بلاد العرب والعجم، ولا يزيدها تصرُّم الأيام والليالي إلا قَبُولًا وانتشارًا.
ومهما تكالب خصوم المذهب السلفي، واشتد كيدهم، وعَظُمت شوكتهم، إلا أن الظهورَ والغلبةَ لمذهب السلف في القديم والحديث؛ فإن مذهب السلف الصالح في غاية الإحكام والسداد، والثبات والاطِّراد؛ فسرعان ما تَقْبَلُه الفطرة، وتدركه العقول السليمة، فتحظى ببرد اليقين ورسوخ الإيمان، وأما المذاهب البدعية فإنما يتجرعها أصحابها على مضض وكُلْفة؛ إذ لا تكاد تسيغه ولا تقبله إلا بعَنَت.
وإذا نظرنا إلى مواقف خصوم هذه الدعوة الإصلاحية فإنك لا تكاد تحصي المؤلَّفات، والمقالات، والندوات، والمؤتمرات المعادية لهذه الدعوة، إضافة إلى كثرة الحروب والمعارك التي قامت من أجل استئصال هذه الدعوة. لكنَّ هذا المكر أضحى أثرًا بعد عين؛ فالعاقبة للمتقين، والله - تعالى - لا يُصلِح عمل المفسدين.
وأظن أن هذه الدعوة قد كُذِب عليها أكثر مما كَذَب الرافضة على جعفر الصادق، رحمه الله؛ فإذا كانت الدعوة الإصلاحية في مهدها قد تمالأ عليها في العارض بِنَجْدٍ أكثرُ من عشرين عالمًا وطالبَ علم [2] ؛ فما بالك بعد أن تجاوزت نجدًا إلى سائر جزيرة العرب وبلاد العرب والعجم؟
وما أروع الوقائع والأمثلة التي حررها العلاَّمة عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب في رسالته «المقامات» ، تلك التي تكشف أنواعًا من الكرامات والحفظ والنصرة لهذه الدعوة؛ رغم الحروب الشرسة والجيوش الجرارة التي تتقصد سحقها؛ ومثال ذلك أن دهام بن دواس (أمير الرياض آنذاك) حارب الدعوة أكثر من ثلاثين عامًا، وأعانه أهل نجران والأحساء، ثم آخر أمره يخرج طريدًا وحيدًا «ولم يبقَ لآل دواس بعد ذلك عين تَطْرُف؛ فاعتبروا يا أُولِي الأبصار» [3] .
(يُتْبَعُ)