فهرس الكتاب

الصفحة 28310 من 28557

ـ [زين العابدين الأثري] ــــــــ [16 - Dec-2010, مساء 11:20] ـ

شارك ( http://www.addthis.com/bookmark.php?v=250&username=xa-4baf2499326efd31) >

11-12-2010 > د. حسن بن محمد الأسمري ( http://taseel.com/Display/Author/AuthorsPubs.aspx?ID=261)

من المناسب أن يقدم المهتمون بالجانب الفكري والثقافي رؤيتهم الشخصية حوله، ويمكن من مجموع هذه الآراء أن تتكون شهادة مكتملة حوله وحول الساحة الفكرية بعامة

بموت"الجابري"تفقد الساحة الفكرية أحد أقطابها البارزين، ومن كان على صلة بالحقل الثقافي في العشرين سنة الأخيرة يعرف بأنه ربما لم توجد شخصية فكرية عربية معاصرة كتب حولها مثل ما كتب حول الجابري، وبخاصة من جهة انتقاد أفكاره. ويمكن القول بأن كبار المفكرين من الأطياف المختلفة لم يرحبوا بمشاريعه الفكرية، إلا أنه لقي حفاوة من الشباب المثقف.

وهذا المقال لا يهدف للنقد؛ لأني لا أعرف كاتبا معاصرا قد حظي بسعة نقد مثل الجابري، من الإسلاميين أو العلمانيين. ومع ذلك؛ فمع رحيل هذا المفكر أجد أنه من المناسب أن يقدم المهتمون بالجانب الفكري والثقافي رؤيتهم الشخصية حوله، ويمكن من مجموع هذه الآراء أن تتكون شهادة مكتملة حوله وحول الساحة الفكرية بعامة. والحقيقة -وبسبب ظروف خاصة- أنني لم أكن متحمسا للكتابة عنه لولا مطالبة بعض الأصدقاء بذلك.

وإبراز موقف واضح من مفكر صاحب نشاط كبير ليس أمرا سهلا، وهناك طائفة اعتادت على إرسال الأقوال وأخرى تبحث عن الإجابات المختصرة، ومثل هذا الفعل يوصل لأخطاء قاتلة، وعليه: فلا بد من تعويد النفس في مثل هذه الأبواب على أهمية التحليل الجيد، الذي يساعد الناظر على وضع أصابعه في المكان المناسب، ومن خلال التحليل الجيد تخرج رؤية حول الأشخاص والأفكار أكثر توازنا وأقوى تماسكا وأعدل حكما.

الشهرة وضريبتها:

أذكر وأنا أجمع المادة العلمية لبحث الماجستير تلك الصعوبة التي قابلتها حول مناسبة إضافة الجابري ضمن تلك المادة، وأحد الأسباب المطروحة من قبل من استشرتهم: أن الجابري غير معروف، ولا أحد يتحدث عنه، مع أنه قد صدر الجزء الأول والثاني من مشروعه النقدي، ولكن بعد فترة قصيرة تفاجئت بما حظي به الجابري من اهتمام من قبل الإعلام الثقافي في بيئتنا الثقافية.

برز فجأة، ويمكن المشاركة في تحليل قصة هذا البروز:

لقد وقع فتور للنشاط الفكري بعد أزمة الحداثة، فموضة الحداثة أدخلت مجمل النشاط الفكري في حقل من الألغاز، فكثر منهم الشعر الغامض، وترجموا مجموعة من الكتب اللسانية والسيميائية المعقدة، أو تم التأليف فيها.

ومرحلة الحداثة العابرة جاءت عقب مراحل فكرية مشهورة، مثل جيل التغريب الأول، من أمثال"طه حسين"وأقرانه، ثم أعقبهم الجيل الماركسي، ثم دخل الفكر في سراديب الألغاز الحداثية، فوقع الفكر في أزمة جمهور، وبقي الفكر محصورا بين أفراد، يزعمون أن المشكلة ليست مشكلتهم وإنما مشكلة القارئ الذي لا يفهمهم.

خرجت موجة فكرية بعيدة عن الألغاز، حسن حنفي من مصر، محمد الجابري من المغرب، علي حرب من لبنان، وهكذا، وقد حظي الجابري بسبب روابطه الحركية بدعاية أفضل، وقامت مراكز متخصصة بطباعة كتبه ونشرها مما أسهم في رفع حظوظه.

وتميزت المجموعة الجديدة بهجرها المنهجيات الأحادية، وتوليف تركيبة منهجية من مشارب مختلفة، وبأدوات جديدة: أدوات فلسفية وأخرى لسانية وثالثة من ميادين العلوم الاجتماعية وهكذا، مع تطبيقها على التراث الإسلامي.

وقد انتشرت كتب الجابري وحظيت بمتابعة وتعليق ونشر، وأخذت ببعض الطاقات الشابة، وانبهر بها بعضهم، وبخاصة لمن لم يكن له اطلاع على الميدان الفكري والفلسفي والعلوم الاجتماعية المعاصرة والمناهج اللسانية والأدبية.

ومما يميّز الجابري قدرته في تبسيط تلك الأدوات المنهجية، وابتعاده عن الغامض منها أو الصعب، مقارنة بما يفعله"أركون"وبخاصة المنهجيات اللسانية، وهذه السهولة وسّعت دائرة القراء مع مجموعة ذات تعليم جامعي ومحبة للثقافة ولكنها لا تملك الأدوات التي تمكنها من الدخول في مجالات الفكر الفلسفي المعقد، فكان الجابري مرحلة وسط كما يقال بين السهل والصعب.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت