فهرس الكتاب

الصفحة 28311 من 28557

ولكن هذا الاشتهار لم يطل أمده، إذ تسببت بعض المقولات الجابرية في تنشيط الخصوم، وبخاصة تلك التي فرق فيها بين العقلية المشرقية والعقلية المغربية، فقد فتحت عليه النار، وجعلت مشروعه تحت المجهر، وبخاصة من المشارقة المتضررين من مقولته، فخرجت كتابات تنقب في الثغرات الموجودة في البناء الجابري، وقد تكاثرت حتى جاء طرابيشي فجمعها ورتبها وصاغها صياغة فكرية موجعة لمشروع الجابري.

وقد فقد مشروع الجابري الكثير من بريقه، كما أن مسائل أخلاقية ظهرت في الطريق هبطت بمستوى الفكر العربي المتغرب المدعي للأمانة والمصداقية، وقد تفنن طرابيشي في إبرازها.

ومع أن انتقادات طرابيشي بدأت متجزئة إلا أنها مع الأيام أخذت معالم جديدة وبخاصة مع خروج المجلد الثاني والثالث، من مشروعه: نقد نقد العقل العربي، فقد ارتقت قليلا في نهاياتها، ومع ذلك فإن الطريقة الطرابيشية طريقة عليها مآخذ كثيرة، وفيها مزاعم المشابهة التي قد لا تصمد أمام التحليل الدقيق.

أما الدراسة المميزة التي عصفت بالمشروع الجابري وبخاصة في المستوى النخبوي فهو كتاب الفيلسوف المغربي"طه عبدالرحمن"،"تجديد المنهج في تقويم التراث"، ويبقى الفضل للجابري أنه كان السبب في خروج كتاب"طه"، ولا شك بأن الكتاب الأخير يظهر حجم المآخذ الفكرية على مشروع الجابري وأمثاله من نقاد التراث.

المراحل الخمس:

يمكن أن نضع خمس مراحل للحياة الفكرية لهذا المفكر البارز، وهذه المراحل قد تفيد في استيعاب الأفكار التي قدمها الجابري، ومن ثمّ وضع المواقف المناسبة.

1 -الأولى، مرحلة الشباب، وهذه المرحلة لم يظهر فيها الجابري المفكر وإنما الناشط، فقد قضى زهرة شبابه داخل الاتجاه الاشتراكي، وبخاصة في نشاطه التعليمي والصحفي، غلب عليه العمل على حساب النظر، وقد تكونت له خبرة جيدة بالنشاط السياسي، وربما كانت هي الدافع في إصراره على أهمية الموقف الأيدلوجي للمفكر.

2 -المرحلةالثانية متركزة في جانب التعليم، في الثانويات أو في بعض المعاهد العليا والكليات، ويغلب على نشاطه هنا أنه من النشاط المدرسي، فالكتب هي كتب دراسية سواء تلك التي لطلاب الثانوية أو التي لما فوقهم، وأشهرها مشاركته في كتاب الفلسفة لطلاب الثانوي، وكتابه"مدخل إلى فلسفة العلوم: العقلانية المعاصرة وتطور الفكر العلمي"المخصص للجامعيين، وقد تميزت بجمال الأسلوب والعرض المبسط للأفكار المعقدة.

3 -المرحلةالثالثة كانت بعد الدكتوراه والتي لم يحصل عليها من جامعات الغرب مقارنة بأقرانه وبمن قبله من أساتذة الفلسفة، الذين حصلوا على ما لم يحصل عليه من الاحتكاك بالثقافة الغربية في مراكزها، وقد يأخذها عليه بعض منافسيه، وهي نقطة غير جوهرية بالنسبة لي.

وهنا يمكن القول ببداية مرحلة جديدة في حياته، تبلورت لاحقا في مشروعه الفكري"النقدي"وهو: نقد العقل العربي، كانت البداية بكتابه"نحن والتراث"وهو عبارة عن بحوث ومحاضرات جمعها في كتاب، ثم جاء أهم كتبه: تكوين الفكر العربي، ثم بنية العقل العربي، ثم نقد العقل السياسي.

ومع أنه بعد زمن قد ألحق بها كتابه نقد العقل الأخلاقي، إلا أنه يفقد الصنعة الفكرية المميزة للأجزاء الثلاثة، ولهذا فأنا أشعر أن هذا الكتاب يناسب أن يكون ضمن المرحلة التالية.

4 -المرحلةالرابعة: مرحلة شرح وتفصيل دون جديد، بما في ذلك نقد العقل الأخلاقي، وكتاب"نحن والحداثة"عودة لتجميع المحاضرات والبحوث في كتاب، فلا نجد في هذه المرحلة كتابا على غرار الثلاثة المشهورة.

وهذه الظاهرة الفكرية مشهورة في بيئتنا الثقافية، وعلى سبيل المثال نجد مفكرا آخر، مثل: زكي نجيب محمود صاحب"الوضعية المنطقة"، وبعد حصوله على الدكتوراه يخرج ثلاثة كتب فيها الصنعة الفلسفية، وهي: خرافة الميتافيزيقيا، نحو فلسفة علمية، المنطق الوضعي، ثم توقف عن الكتابة البحثية، وباستثناء كتابه"المعقول واللامعقول"فكلها عبارة عن مقالات ومحاضرات يجمعها في كتاب، برابط متكلف، بما فيها الكتاب المشهور: تجديد الفكر العربي.

بالنسبة للجابري فهو في هذه المرحلة قد تفرغ للمحاضرات والمؤتمرات، وأسس مع آخرين مجلة"فكر ونقد"، فضلا عن كتاباته الرمضانية في بعض الصحف لتتحول فيما بعد لكتيبات.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت