ـ [محمد عبد المجيد] ــــــــ [13 - May-2008, مساء 10:55] ـ
افتراضات التدافع بين الحق والباطل
*للشيخ رفاعي سرور
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد:-
هناك عدة حقائق هامة في إطار مفهوم التدافع بين الحق والباطل:
أولا: الاعتقاد بأن العداء بين الحق والباطل ليس حقيقة مستنبطة من دراسة الواقع أو تقييم الظروف ولكنه حتمية قدرية منهجية نؤمن بها ونلتزم مقتضاياتها بمجرد الإيمان بالحق والكفر بالباطل.
ثانيًا: أن القوة هي المضمون الأساسي لهذا الصراع وأن كل أبعاد الصراع الأخري يجب أن تكون باعتبار هذا المضمون: (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ) (الأنبياء:18) "فالله يبطل الباطل بالحقّ بأن يبين للناس بطلان الباطل على لسان رسله، وبأن أوجَد في عقولهم إدراكًا للتمييز بين الصلاح والفساد، وبأن يسلط بعض عباده على المبطلين لاستئصال المبطلين"التحرير والتنوير - (ج 9 / ص 137) .
ثالثًا: أن المعني الأساسي لظهور الحق على الباطل هو الثبات عليه، وأن ثبات أهل الحق هو شرط تفعيل كل أساليب وأدوات إزهاق الباطل ولذلك يقول تعالى: (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ) (الأنبياء:18) .
ودل حرف المفاجأة على سرعة محق الحقّ الباطلَ عند وروده لأن للحقّ صولة فهو سريع المفعول إذا ورد ووضح، قال تعالى: {أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدًا رابيا} إلى قوله تعالى: {كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض} سورة الرعد (17) .
رابعًا: أن الحق واحد وأن مقتضى ذلك هو أن يمثله في العداء مع الباطل طرف واحد، والباطل متعدد يمثله أطراف متعددة، وأن العداء يكون بين هذا الحق الواحد وجميع أطراف الباطل المتعددة، وأهل السنة القائمين على عقيدة التوحيد هم الطرف الذي يمثل الحق في هذا الصراع وأي طرف لا يقوم على تلك العقيدة لا يدخل في هذه الافتراضات، وأن التدافع وهو المواجهة العملية بين أطراف العداء يقوم في الواقع بعدة افتراضات:
الافتراض الأول:
وهو قيام التدافع بين طرف الحق الواحد وأحد أطراف الباطل، وهذا التدافع هو المتوازن منهجيا، والمقتضى العملي لهذا الافتراض هو التفريق بين واجب إثبات العداء لجميع أطراف الجاهلية منهجيا وفكريا وبين إمكانية المواجهة العملية لأحد هذه الأطراف فنحن نعادي جميع الأعداء تصورا واعتقادا ولكننا نواجه في حدود إمكانياتنا العملية فنختار في تلك الحدود أنسب اتجاهات العداء وأطرافه، والأساس في معنى الآية هو قتال الأقرب إلى دار الإسلام، والله تعالى يقول:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ" (123) .
يقول الإمام ابن كثير في تفسيره: 4/ 237: (أمر الله تعالى المؤمنين أن يقاتلوا الكفار أولا فأولا الأقرب فالأقرب إلى حوزة الإسلام؛ ولهذا بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتال المشركين في جزيرة العرب، فلما فرغ منهم وفتح الله عليه مكة والمدينة، والطائف، واليمن واليمامة، وهجر، وخيبر، وحضرموت، وغير ذلك من أقاليم جزيرة العرب) .
وفي حالة عدم قيام حوزة للإسلام وتعدد مواقع الصراع يكون الأقرب خطرا من الإتجاهات المعادية للدعوة هو الإتجاه الواجب التعامل معه ومواجهته، والربط بين الأقرب إلى حوزة الإسلام والأقرب خطرا هو أن الأقرب إلى حوزة الإسلام هو نفسه الأقرب خطرا ولذلك يقول الأستاذ سيد قطب"سارت الفتوح الإسلامية, تواجه من يلون"دار الإسلام"ويجاورونها, مرحلة فمرحلة. فلما أسلمت الجزيرة العربية - أو كادت ولم تبق إلا فلول منعزلة لا تؤلف قوة يخشى منها على دار الإسلام بعد فتح مكة - كانت غزوة تبوك على أطراف بلاد الروم. ثم كان انسياح الجيوش الإسلامية في بلاد الروم وفي بلاد فارس, فلم يتركوا وراءهم جيوبا ; ووحدت الرقعة الإسلامية, ووصلت حدودها" (في ظلال القرآن)
(يُتْبَعُ)