ـ [شتا العربي] ــــــــ [05 - Jun-2007, مساء 03:54] ـ
إلى البابا بنديكت مع .. تحياتى!!
القتل العرقى لسكان الأمريكتين!
الدكتورة: زينب عبد العزيز
أستاذة الحضارة الفرنسية
بعد أن تألق في خطابه بجامعة راتسبون، في سبتمبر 2006، بتأكيده التفوق المطلق للمسيحية وعقلانيتها، وسبّه المتعمّد للإسلام ونبيه عليه صلوات الله، ها هو البابا بنديكت السادس عشر يركل الهنود الحُمْر مبررا إبادتهم، متكتما على أكبر عملية قتل عرقى لا مثيل لها في التاريخ ..
ففى الخطاب الإفتتاحى للدورة الخامسة لأساقفة أمريكا اللاتينية، يوم 13 مايو الحالى، ببلدة أباريسيدا، في ختام زيارته للبرازيل، رأى البابا أنه:"بالنسبة لهم، كان غزو أمريكا يعنى إستقبال المسيح، الإله الذى كان أباؤهم يجهلونه، غير مدركين، ويبحثون عنه في تراثهم الدينى الثرى ( ... ) وفعلا، الإعلان عن يسوع وإنجيله لم يتضمّن في أى لحظة من اللحظات أية عداوة للثقافات الهندية، ولم يكن أبدًا بمثابة فرض ثقافة خارجية"..
وقد أثارت هذه التصريحات، والعديد غيرها، موجة عارمة من التعليقات من جانب الجماعات الهندية، يتسع مداها من الإعتراض التام، إلى استخدام عبارة القتل العرقى، مرورا بالتعتيم على التاريخ، وصدام الحضارات، والجهل بالتاريخ، والجهل بكتابات القس بارتولوميه دى لاس كازاس، وإتهام البابا بالكذب والتزوير!. ومساء يوم الجمعة، 18 مايو الحالى، أعلن هوجو شافيز، رئيس فينزويلا، في حديث معلن في الإذاعة والتليفزيون، مطالبا البابا بنديكت السادس عشر بتقديم إعتذاره لهنود أمريكا اللاتينية عن تلك التصريحات التى قالها عن تبشير القارة، موضحا:"لقد جرى شىء أكثر بشاعة من المحرقة التى وقعت أثناء الحرب العالمية الثانية، ولا يمكن لأى شخص إنكار ذلك، ولا يمكن لقداسته أن ينكر محرقة الأبوريجين على هذه الأرض".
وإذا ما ترجمنا الحدثين بالأرقام، فإن محرقة العصر الحديث تقدّر بستة آلاف شخصا، أما المحرقة التى سببها الغزاة الكاثوليك الإسبان فتتعدى الثمانين مليونا من البشر. وقد إختتم شافيز حديثه قائلا:"إن قول الحق لا يهين أى أحد"!.
وأول ملاحظة نبدأ بها هى: التعتيم على تلك الوقعة في وسائل الإعلام وحصرها بسرعة لافتة، خاصة طلب الرئيس هوجو شافيز من البابا ليقدم الإعتذار عن تصريحاته التى تخالف الحقيقة التاريخية المعاشة، كما تم سحبها من أغلب المواقع الإلكترونية التى نشرتها.
لذلك يبدو من المفيد والهام معا أن نرجع إلى كتابات الأب لاس كازاس، إلى ذلك القس الفرانسيسكانى الذى كان قد سافر مع الغزاة عام 1502 للإشتراك في عمليات التبشير، لكنه سرعان ما أصابه الهلع والإعياء من العننف والوحشية التى مارسها إولئك الغزاة على الأهالى وعدم الإكتراث بحياة الهنود، خاصة في كوبا، حيث بدأت رحلته وشاهد من المذابح ما أصابه بالجذع. فراح يدوّن ما عاصره في عمل ضخم مكون من ثلاثة أجزاء تضم 2310 صفحة. وكان المخطوط قد ظل ممنوعا من النشر لمدة ثلاثة قرون. ثم تم نشره بالإسبانية عام 1986، ثم تمت ترجمته إلى الفرنسية ونشر عام 2002.
وكان الأب بارتولوميه قد قام بالعديد من المحاولات للدفاع عن حياة السكان الأصليين. ففى عام 1531 كتب"رسالة إلى مجلس الأمريكتين"، حيث تساءل فيها:"لماذا إذن بدلا من إرسال خراف آمنة لتنصير الذئاب، أرسلتم ذئابا جائعة، مستبدة طاغية، قامت بتقطيع الأهالى، وقتل وإزلال وإرهاب الحملان الوادعة؟"..
إلا أنه واجه مقاومة شديدة من الغزاة المستعمرين وثورتهم عليه. وقد هوجم حتى إضطر إلى الإستقرار في أحد الأديرة ليكرس حياته للكتابة. وبخلاف ذلك الكتاب المكون من ثلاثة مجلدات، كان لاس كازاس قد كتب"إختصار شديد لهدم الأمريكتين"عام 1552، وأرسله إلى ملك إسبانيا دون فيليب، وتم نشره أثناء حياته. وهو عبارة عن وثيقة إتهام كتبها من واقع الحياة من حوله، وضمّنها كل الأهوال والبشاعات والمآسى التى إرتكبها الغزاة وأطماعهم. الأمر الذى ضاعف من مواقف العنف ضده حتى بعد وفاته.
(يُتْبَعُ)