ـ [ابن البلدة] ــــــــ [30 - Jul-2009, مساء 06:38] ـ
لو سألنا هذا السؤال: ما نصيب القرآن من يومنا؟
حقًا إنه جواب مؤلم، أن يصبح أحدنا ويمسي في عمل الدنيا مشغولًا منهوكًا، مقرًا بتقصيره، وقلة تلاوته لكلام ربه عز وجل. وإلى متى سيظل أهل الإيمان، يعتذرون بكثرة الانشغال عن القرآن وكأنهم لم تبلغهم المواعظ، ولم تحثهم أبواب فضائل تلاوة القرآن لكي ينشغلوا بهذا المعين الثري؟ قال تعالى في فضله حيث عز وجل: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ) وقال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ) . وقال: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا) . وقال: ( ... فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ) .
وفي أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، ما يجلو هذه الحقيقة، فقد روى الإمام مسلم عن عائشةَ قَالَت، قَال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ) فيجعل النبي صلى الله عليه وسلم المتقن للقرآن تلاوة حفظا في عليين مع الملائكة المقربين، السفرة الكرام البررة، وذلك لاتصافه بصفتهم من حمل كتاب الله تعالى، بل أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينس الذي يجتهد في قراءة القرآن وهو عليه شاق لقلة حفظه أو لسبب من الأسباب، فقال: (وَالَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَتَتَعْتَعُ فِيهِ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ لَهُ أَجْرَانِ) و في رواية (وَالَّذِي يَقْرَأُ وَهُوَ يَشْتَدُّ عَلَيْهِ لَهُ أَجْرَانِ) , أجر للقراءة, وأجر لتتعتعه في تلاوته ومشقته. بل جعل النبي صلى الله عليه وسلم منزلة العبد في الجنة بحسب قراءته للقرآن الكريم، فقد وروى الترمذي عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ اقْرَأْ وَارْتَقِ وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَأُ بِهَا) .وهذا عند دخول الجنة، قال الخطابي: جاء في الأثر أن عدد آي القرآن على قدر درج الجنة في الآخرة , فيقال للقاري أرق في الدرج على قدر ما كنت تقرأ من آي القرآن , فمن استوفى قراءة جميع القرآن استولى على أقصى درج الجنة في الآخرة , ومن قرأ جزءا منه كان رقيه في الدرج على قدر ذلك , فيكون منتهى الثواب عند منتهى القراءة. كما أن حفظة القرآن الذين يقرؤونه أناء الليل وأطراف النهار العاملين به، هم أولياء الله المختصون به، روى ابن ماجة وغيره عن أَنس بن مالك قَال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ لله أَهْلِينَ مِنْ النَّاسِ، قَالُوا يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ هُمْ؟ قَالَ هُمْ أَهْلُ الْقُرْآنِ أَهْلُ اللهِ وَخَاصَّتُهُ) .
أما آن للمسلمين اليوم أن يراجعوا أنفسهم، وأن ينظروا كم من الساعات الكثيرة تهدر في الثرثرة غير المجدية، وأحيانًا في الغيبة المحرمة، وكم من الوقت يعيشون فيه مع القرآن كل يوم؟
أم يبقوا دائما يعتذرون بكثرة الأعمال، وازدحام الأشغال. فكم منا من رحل عن الدنيا ولما يكمل إنجاز أشغاله!
وليتأمل من هذا حاله، ومن تلك إجابته، وليتذكر هؤلاء حال الفئة الأولى، والقافلة الرائدة مع القرآن، وكم كان نصيبه من يومهم على كثرة أشغالهم وأعمالهم؟
فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي جُمعت هموم الأمة كلها في قلبه، وفتح صدره لاستقبال مشكلات الناس جميعًا، صغيرهم وكبيرهم، ذكرهم وأنثاهم، بل حتى الجماد منهم. ما كان يعتذر بكثرة الأعمال والأعذار عن عدم قراءة القرآن كل يوم؟ روت أم المؤمنين عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقوم الليل كل ليلة يقرأ القرآن، فتكلمه في ذلك فيقول: (أفلا أكون عبدًا شكورًا) .
(يُتْبَعُ)